كان الممارسون الصحيون بجميع فئاتهم، العماد الحقيقي لمكافحة كورونا بكل الدول، فهم من واجه الخطر الحقيقي بالتعامل مع الوباء يوميا، وهم من واجه الضغوطات النفسية الكبيرة، بالتعامل مع الموت والفقد والحزن يوميا، والابتعاد عن الأحباب والأهل خوفا عليهم من خطر الإصابة، وأخص بالذكر الدور الكبير للكوادر التمريضية «الخط الأول» للدفاع بالمنظومة الصحية. ولا يخفى على الكثير النقص العالمي بالكوادر التمريضية، حيث قدرت الأعداد التقديرية للتمريض قبل جائحة كوفيد بحوالي 27.9 مليون، %70 من هذا العدد فقط ممرضون مصنفون، وتمثل النسبة الباقية فئات مساعد التمريض. ومن الملاحظ أن النساء يمثلن %90 من هذه المهنة العريقه عالميا، وقد تم تقدير النقص العالمي في عام 2018 للتمريض بحوالي 6 ملايين ممرضة عالميا. وتشير الأرقام العالمية أيضاً إلى وجود حوالي 4.7 ملايين ممرض وممرضة فوق سن الـ 55 سنة، ومن المحتمل تقاعدهم بالعشر سنوات القادمة، ويجب إيجاد بديل لهذه الأرقام الضخمة، وهذا يعني بلغة أخرى زيادة خريجي التمريض بأكثر من %9 سنويا بالدول الأقل نسبة من التمريض، وتشير الأرقام العالمية إلى أن دول الخليج العربي الأعلى عالميا في نسبة التمريض الخارجي إلى التمريض الوطني بنسبة %97. محليا - نتكلم بلغة الأرقام - يوجد لدينا 25 كلية تمريض حكومية، و14 كلية خاصة بمجموع 39 كلية، ويوجد حاليا 17 ألف طالب وطالبة يدرسون بتلك الكليات، وحسب تقرير واقع القوى العاملة الصادر عن الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، فإن المتوقع وصول عدد الممرضين السعوديين «المصنفين كإخصائيين» في عام 2027 إلى 26 ألف ممرض وممرضة، وأن المملكة تحتاج في ذلك التاريخ إلى إضافة 185 ألف ممرض وممرضة غير سعوديين، للوصول للنسب العالمية في ذلك التخصص. الأخطر من ذلك هو اعتماد المملكة صحياً على هذه الأعداد الضخمة من التمريض غير السعودي، والمتركز فعليا في دولتين محددتين، وجميعنا رأى ما حدث سابقاً عند وجود اختلافات سياسية بين الدول، أو جوائح مثل كورونا، حينما قررت بعض الدول وقف تصدير العمالة للاستفادة منها محليا. وفي منظوري البسيط، هذه المشكلة يجب أن تكون على قائمة أولويات «الأمن الصحي» السعودي، وقد يتطلب حلها بعض الخطوات ومنها:

1 - ربط موضوع القوى العاملة الطبية وتوطين الوظائف بمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية.

2 - تحويل الدعم الحكومي من كليات العلوم النظرية وبعض العلوم التطبيقية، مثل طب الأسنان والعلوم، إلى التركيز ودعم ميزانية كليات التمريض.


3 - تبني خطة وطنية لرفع مخرجات كليات التمريض التي يعاني بعضها ترديا كبيرا بالجودة، والتركيز على الجانب التطبيقي والتدريبي بالمستشفيات.

4 - الترغيب في مهنة التمريض، ورفع المزايا وخاصة العملية، ومنها التنسيق مع وزارة الخدمة البشرية لإعطاء مميزات للممرض السعودي مثل أحقية الإجازة الأسبوعية، وعدم تجاوز العمل - بالنسبة للمرضة - بالمناوبات المسائية لنطاق معين.

5 - دراسة تقليص فترة الدراسة التي تبلغ حاليا خمس سنوات «سنة تحضيرية وثلاث سنوات دراسية في التمريض، وتتبعها سنة تدريبية تسمى الامتياز»، إلى 4 سنوات «مع إلغاء السنة التحضيرية».

6 - عمل خطة تسويقية وإعلانية مكثفة للترغيب بالمهنة، وكسر الحواجز المجتمعية، وإبراز الدور المجتمعي والإنساني المهم.

كتبنا سلسلة مقالات عن التوطين بعنوان «التوطين المتاح»،وبعيدا عن تعقيد «المنظرين» فالأمر يمكن حله وإنجازه، بالتنسيق بين الجهات، ولكن الأهم من ذلك هو عدم المساس بشروط «جودة التدريب»، وإلا سوف ننتهي بالقول الشهير «ليتنا من حجنا سالمينا» !.