سمعنا من قبل عن كثير من الأزواج تفرقوا، لأنهم اكتشفوا فجأة أنهم إخوة أو محارم بالرضاعة، فتشتت شمل الأسرة، ويزداد الأمر سوءا حينما يكون هناك أبناء، بالذات لو كانت أسرة مستقرة يكون الأمر أكثر وجعا، لا شيء يفسر هذا الانفصال للأطفال فيمرون بحالة نفسية سيئة.

هذا هو مصير الأحداث غير المدونة، والتي تُعد مجرد حدث يومي ربما لا يعيره البعض الاهتمام، بينما تترتب عليه نتائج وخيمة كتشتيت شمل أسرة، أو كسر صورة الأبوين في مخيلة طفل. من المؤسف أن البعض يجهل ما يترتب على الإرضاع،

أو ربما يعتمدون على الذاكرة وبعض الشهود، ولكن تتباعد المسافات، والجيران يصبحون أغرابا بعد حين، ويموت البعض وتُنسى الحكاية، وتمرق حكاية بعد الأخرى، فأصبح من الضروري إنشاء نظام يضمن توثيق تلك الرضعات المشبعات المُحرمة، والتي تربط الشخص بأهله من الرضاعة طوال العمر، فيكون رباط اللبن يعادل رباط النسب، فقامت وزارة العدل مشكورة بإتاحة هذه الفرصة على بوابة ناجز الإلكترونية، بحيث يتم توثيق الرضاعة بعد تعبئة نموذج مخصص ويتم إرساله بعد إنهاء حيثيات الطلب، وبعد ذلك يتم صدور وثيقة الرضاعة الرسمية. جميل أن تصبح الحياة سهلة رغم صعوبتها، الأمر أصبح بعناء ضغطة زر، الأنظمة الإلكترونية سهلت كثيرا من الأمور. أتمنى ألا نسمع بعد ذلك عن حكايات زواج المحارم من الرضاعة، ولا عن تشتت الأسر لأن إحداهن أرضعت أبناء الحي ورحلت بعد ذلك.

ولكن هل هناك حاجة بالفعل لمرضعة غير الأم! فإذا كان بالكاد أن ترضع الأم طفلها فهل يمكن أن ترضع طفلا غيره أيضا!!

إذا زاد الإقبال على تسجيل هذه الخدمة فهذا يعني زيادة الوعي بالرضاعة الطبيعية، وربما تكون مرجعا لدراسة عدد الأطفال الذين يرضعون طبيعيا في المجتمع في يوم ما إذا عرفنا قصد الإرضاع. لأن الأم التي تعجز عن إرضاع طفلها لظرف طارئ كسفر أو مرض أو وفاة لا قدر الله، نجد له أما بديلة ترضعه بدلا من اللبن البقري، ألبان الأبقار لم تكن يوما بديلا جيدا لحليب الأم، لذلك كانت الأم البديلة أو الاسترضاع من امرأة أخرى هو الحل الأمثل منذ قديم الزمن رغم توفر البهائم وألبانها. وقد كانت هناك محاولات في القرن الخامس عشر لاستخدام لبن الأبقار والأغنام بدلاً من الرضاعة الطبيعية، ولكن هذه المحاولات لم تنجح. وفي القرن الثامن عشر قُدم خليط الدقيق أو الحبوب مع المرق، ولكنه أيضاً لم ينجح. وفي منتصف القرن التاسع عشر ظهر الحليب الصناعي المطور، وحل محل الأم المرضعة، انتشر استخدامه في العالم وقل معه الاحتياج إلى الأم البديلة، ولكن الآن ومع عودة الوعي ونشر ثقافة الرضاعة الطبيعية، وتبني وزارة الصحة مشروع مستشفيات صديقة للطفل، بدأ معدل الرضاعة الطبيعية يرتفع مرة أخرى في مجتمعنا بفضل الله. عظيم أن يظهر تطبيق توثيق الرضاعة في هذا الوقت تحديداً لأنه أحياناً بسبب مرض الأم أو غيابها تتعذر الرضاعة فترضعه أم بديلة وتوثق ذلك على النظام، ويصبح للطفل عائلتان، عائلة بالنسب وعائلة باللبن، علاقة موثقة ومعتمدة لا تضلُ ولا تُنسى.