احتلت البرامج الحوارية صدارة (الخبطات الإعلامية)، وأصبحت القنوات تتنافس فيما بينها لجعل هذا النمط من البرامج عنصرا أساسياً وثابتاً ضمن الخطط البرامجية طويلة أو قصيرة المدى. لا شك أن هذا التزايد في البرامج أمر إيجابي ويثري المتلقي ويعزز مفهوم الشفافية، إلا أن هذا التزايد لا بد ألا يكون على حساب الكيف، أو أن يكون بعيداً عن قواعد مهنية صلبة يرتكز عليها. للأسف في الآونة الأخيرة شاهدنا سلوكيات من قبل بعض مذيعي البرامج كسرت أعرافاً مهنية أساسية، وأصبحت ظاهرة لدى العديد من المذيعين يسلكونها، وهذا أخرج تلك البرامج من الأطر المهنية الموضوعة له.

فالقيمة في البرامج الحوارية هي للضيف والأهم هو حديث ورأي الضيف. فهو صاحب القرار أو المختص في المجال، فبالتالي الجمهور يقف أمام الشاشات للبحث عن إجابات لاستفهامات عديدة تدور في أذهانهم تجاه الضيف والجهة التي يمثلها. إذاً المذيع الأنجح هو القادر على استنطاق الضيف بأكبر قدر ممكن من المعلومات، وتقمص دور الجمهور في البحث عن إجابات لأسئلتهم، فإن تحققت تلك المعادلة حينها يمكن القول بأن الحلقة كانت مفيدة للمتلقي وناجحة مهنيا.

إلا أننا أصبحنا نشاهد في الآونة الأخيرة انقلابا في المعادلة، فقد أصبح المذيع يتحدث أكثر من الضيف، الأمر الذي تجاوز مقاطعة الضيف المتكررة وقطع حبل أفكاره، إلى أن أصبح المذيع وكأنه يحاور ذاته! فهو من يسأل ومن يجيب. والأدهى والأمَر -وهو ما يعتبر خارقا لكل الأعراف المهنية- أصبح بعض المذيعين يبدي آراءه ويعلق على الأحداث رغم أن ذلك لا يمت للمهنية بصلة.

من العدوى السلبية التي بدأت تتناقل بين معشر المذيعين، الإساءة للضيف أو بوصف شعبي (غسل شراعه)، بهدف عيش دور البطولة والشهرة الوقتية وليكون بطلا لقصة انتشار في شبكات التواصل. ليس فقط مذيعو البرامج من يمارس هذه التصرفات، بل تسربت لمذيعي نشرات الأخبار، يستضيف المسؤول لا للبحث عن الحقيقة وسماع كلام الضيف، بل للفوز بالمشهد. وبعد هذا، الجدال البيزنطي يُطرح التساؤل: ما الذي استفدناه من معلومات؟ وما القيمة المضافة التي تشكلت لدى المتلقي بعد ذلك؟ غير الإثارة والعراك اللفظي المحتقن واستعلاء المذيع الفاضح على ضيوفه. ومن زاوية أخرى، نشط في الآونة الأخيرة ظهور فئة (المذيعين الكتاب) الذين يتحولون من قالب العمود الصحفي للتقديم التلفزيوني، وما قد يصاحب تلك الخطوة من انتقال خصومات واجهها الكاتب عبر آرائه التي بدأها في مقالاته إلى برنامجه. فلن يستطيع المتلقي الفصل بين آراء ذلك الكاتب في عموده وبين أطروحاته التلفزيونية. كما أن الكاتب اعتاد على الإفصاح عن رأيه وهذا يصعب عليه تقبله حين يتحول إلى مذيع، ما يوقعه في فخ إبداء الرأي المستمر. ومن الأمور التي يجب أن توضع في ذهن أي مقدم بأن المحتوى المقدم في البرنامج هو الأساس وهو المعيار الأهم، فمهما بلغت شهرة أو نجومية المذيع فإن ذلك ليس له أي قيمة ما لم يكن هناك محتوى نوعي وقدرة على استنطاق الضيوف بأكبر قدر ممكن من المعلومات، وتغذية المتلقي بها. فقد عمدت بعض المحطات لاستقطاب المذيع النجم، دون مراعاة لقوة محتوى البرنامج، ظنا منهم أن نجومية المذيع قادرة على انتشال البرنامج والمضي به قدما. وهناك نماذج مختلفة لمشاهير شبكات التواصل انتقلوا من شاشاتهم الصغيرة إلى شاشات التلفزيون غير أن تلك المراهنات سرعان ما سقطت سريعا، كونها لم ترتكز على أرضية مهنية صلبة وعلى محتوى عميق.

يقول من غادرنا مؤخرا المذيع لاري كنج: كلام المحاور يجب ألا يزيد عن %10 من مجمل المقابلة أو اللقاء و%90 تكون للضيف!