في مقالي هذا لن أتكلم عن «العملات الإلكترونية»، والتي ينعكس مفهومها على بطاقات الائتمان، وبطاقات مسبقة الدفع، والشيكات الإلكترونية وغيرها، وإنما سأكتب وباختصار عن «العملات الرقمية المعمَّاة» أو «المرمزة» أو «المشفرة»، وأشهرها هذه الأيام: البيتكوين، واللايت كوين، والبيتكوين كاش، والإثير يوم، والريبل، وغيرها..

العملات المعماة أو المرمزة أو المشفرة، ليس لها كيان مادي ملموس، أو وجود فيزيائي، ويتم تداولها بين أطراف التعامل بدون وسيط، وهذا التعامل يطلق عليه نظام الند للند، ومن أبرز سمات هذه العملات الحالية، اللامركزية، وعدم وجود جهة حكومية أو خاصة تشرف على إصدارها، وأغلبها يستند إلى تقنية سلسلة الكتل (block chain)، وهذه التقنية هي التي تنتج العملة وتحتفظ بالسجل الكامل للتعاملات بها، ومن سماتها كذلك وجود جدل حول شخصية المُصدر.

التعامل بالعملات الرقمية المشفرة يتم من خلال المنصات الإلكترونية المتاحة على الإنترنت بشكل مباشر أو من خلال سماسرة، مع دفع رسوم لتلك المنصات، وبموجبها يكون لكل متعامل، سواء باسمه أو باسم مستعار، محفظة إلكترونية خاصة على حاسوبه الخاص، لتوثيق ملكيته للعملات المشفرة التي يملكها، وإمكانية التصرف فيها.


دور الإفتاء في غالبها لها موقف معلن ضد هذه العملات، التي عمت وفشت، وشيوعها وانتشارها في ازدياد، ولن تؤثر المواعظ والفتاوى أبدًا في أذهان المتعاملين بها، ولا يصلح إلا تبنيها، والمسارعة في تنظيمها وضبط التعامل بها، وفتح الجهات المعنية لأبواب التراخيص اللازمة لإنشاء منصات إلكترونية لهذه العملات، ووضع الضوابط اللازمة، وفي مقدمة ذلك التسجيل بإبراز هوية المتعامل، لمحو ما يطلق عليه: الغفلية (anonymity).

صحيح أن هناك مخاطر تكتنف التعامل بالعملات الرقمية المرمزة، مثل التقلبات السعرية، وصحيح أن الخلاف حولها بين الشرعيين مستمر، من حيث إنها «سلعة» أم «منفعة»؟، وهل هي «أصل مالي استثماري» أم «أصل رقمي»؟، وهل هي «متقومة ومتمولة أو لا؟»، وصحيح أن الفصل الشرعي النهائي يلزمه مزيدًا من البحث والدراسة للقضايا المؤثرة في الحكم؛ ولكن ليس على حساب الوقت أبدًا.

الواقع اليوم أثبت أن العملات المعماة أو المرمزة أو المشفرة متقومة شرعًا؛ فبها يمكن شراء أي سلعة في الدنيا، والواقع أيضًا أثبت أن هذه العملات تقوم بوظائف العملات والنقود المعروفة نفسها، أما عن التقلبات التي تعتريها فهذا يكاد يعم كل النقود التي تهبط وترتفع من حولنا، وعن جهالة مصدرها فهذه عند المتعاملين بها غير ذات أثر، لأن القوانين بمجرد الانضمام للمنصات واضحة جدًا عندهم.

أختم بأن المقال لم أكتبه للتشجيع على الاستثمار بواسطة هذه العملات أو المتاجرة أو المضاربة بها، فهذا شأن يقرره من يريد الدخول في معتركها؛ وإنما أردته لتأكيد المناشدة بالتبني الذي ذكرته آنفًا، وعدم ترك هذه العملات تعمل في الفراغ، ودون غطاء، خاصة أنها قد فرضت واقعًا جديدًا على الساحة الاقتصادية والتجارية العالمية، وأصبح شراء أو بيع المنتجات ممكنًا باستخدامها، وثبت خطفها لقلوب وعقول كثير من الناس، ولاقت إقبالًا كبيرًا عندهم.