في اليوم الإسلامي لحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، الذي يصادف الخامس من أغسطس من كل عام واعتمده مجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي مناسبة سنوية تتجدد الحاجة إلى استحضار الرؤية الحضارية للإسلام في صون الإنسان، وإبراز إسهامه الأصيل في ترسيخ مبادئ الكرامة والعدل والحقوق. وتمثل هذه المناسبة فرصة للتأكيد على أن حماية الإنسان وصون كرامته ليست مفهوماً مستحدثاً في الفكر الإنساني بل هي مبدأ أصيل أرسته الشريعة الإسلامية منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، وجعلته أساساً للعلاقة بين الإنسان وخالقه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان وبين الفرد والمجتمع.

لقد جعل القرآن الكريم الإنسان محور الاستخلاف في الأرض، وقرر مبدأ الكرامة الإنسانية في أسمى صوره بقوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ فجاء التكريم شاملاً لكل إنسان دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو اللون أو اللغة أو الانتماء. كما أرسى مبادئ العدل والمساواة وصان النفس والمال والعرض وجعل إقامة العدل واجباً لا يتأثر بالخلاف أو الخصومة، فقال سبحانه: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾. ثم جاءت السنة النبوية لتجسد هذه المبادئ في واقع عملي، فكانت خطبة الوداع إعلاناً خالداً لحرمة الدماء والأموال والأعراض وإقراراً بالمساواة بين البشر واحتراماً لحقوق الإنسان وكرامته باعتبارها تكليفاً شرعياً قبل أن تكون التزاماً قانونياً.

وإذا كانت المواثيق الدولية الحديثة قد أسهمت في تطوير منظومة عالمية لحماية حقوق الإنسان فإن الإسلام سبق إلى إرساء الأسس الأخلاقية والتشريعية لهذه الحقوق، من خلال رؤية متوازنة تجمع بين الحقوق والواجبات وتحقق التوازن بين حرية الفرد ومصلحة المجتمع، وتربط الحقوق بالمسؤولية والحرية بالعدالة والسلطة بالمساءلة. ومن هذا المنطلق فإن اليوم الإسلامي لحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية لا يمثل مناسبة رمزية فحسب بل دعوة متجددة لإبراز هذه الرؤية الحضارية وتعزيز الحوار مع مختلف الثقافات حول القيم الإنسانية المشتركة، وإظهار قدرة المبادئ الإسلامية على الإسهام في معالجة القضايا الحقوقية المعاصرة.


وتكتسب هذه المناسبة أهمية متزايدة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل التقنيات الناشئة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، والتقنيات الرقمية التي تحمل فرصاً واسعة لخدمة الإنسان لكنها تطرح في الوقت ذاته تحديات غير مسبوقة تتعلق بحماية الخصوصية، ومنع التمييز، وضمان العدالة وصون الكرامة الإنسانية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء حوكمة أخلاقية لهذه التقنيات تستلهم المبادئ الراسخة التي جاء بها الإسلام، وتضمن أن يبقى الإنسان محور التنمية وغايتها وأن تظل التكنولوجيا وسيلة لتعزيز الحقوق لا سبباً للانتقاص منها.

وفي هذا الإطار تضطلع الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان بمنظمة التعاون الإسلامي بدور محوري في تجسيد هذه المبادئ باعتبارها المرجعية الحقوقية المستقلة للمنظمة من خلال دعم الدول الأعضاء وتعزيز التعاون مع المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وإعداد الدراسات والتوصيات، وبناء القدرات وإثراء الحوار مع المنظمات الدولية بما يسهم في ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وفق الرؤية الإسلامية ومواكبة القضايا الحقوقية المستجدة، لا سيما تلك المرتبطة بالتقنيات الناشئة وحماية الأسرة والطفل ومكافحة خطاب الكراهية وتعزيز احترام الكرامة الإنسانية.

ومن هذا المنطلق فإن مسؤولية الدول الأعضاء والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وفي مقدمتها الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان بمنظمة التعاون الإسلامي لا تقتصر على الاحتفاء بهذه المناسبة بل تمتد إلى ترجمة مبادئها إلى سياسات وتشريعات ومبادرات وشراكات فاعلة تعزز حماية الحقوق وتصون الكرامة الإنسانية، وترسخ ثقافة العدل والاحترام المتبادل بما يجعل هذه القيم واقعاً معاشاً وأساساً للتنمية والاستقرار.

الرسالة التي يحملها هذا اليوم تتجاوز الاحتفاء بمناسبة سنوية، فهي دعوة إلى تجديد الالتزام بقيم العدل والرحمة والمساواة وترجمة هذه المبادئ إلى واقع مؤسسي يعزز حماية الإنسان وكرامته، ويواكب التحديات المتجددة التي يفرضها عالم سريع التحول. وفي عالم تتسارع فيه الابتكارات وتتزايد فيه المسؤوليات، تبقى القيم التي جاء بها الإسلام مصدر إلهام لمنظومة حقوقية تؤمن بأن الإنسان هو الغاية الأولى للتنمية، وأن كرامته حق ثابت لا يقبل الانتقاص، وأن صونها مسؤولية مشتركة تتجدد مع كل عصر. ومن هنا، فإن اليوم الإسلامي لحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية يمثل مناسبة لتأكيد أن الرؤية الإسلامية لحقوق الإنسان ليست جزءاً من تاريخ الحقوق فحسب، بل مشروعاً حضارياً متجدداً يسهم في بناء عالم أكثر عدلاً، ويضع كرامة الإنسان في صميم التشريع والسياسات العامة ويؤكد أن القيم الإسلامية ستظل قادرة على إلهام مستقبل أكثر إنصافاً ورحمةً للإنسانية جمعاء