في عام 1999 لم يكن الماتريكس (The Matrix) بطولة كيانو ريفز، تأليف وإخراج الأخوين وتشاوسكي، مجرد فيلم يصور ثورة بصرية في سينما الخيال العلمي، أو تحذيرا مبكرا من تهديد الذكاء الاصطناعي على حياة البشر. فقد نجح الفيلم في اختزال أعمق مفاهيم الثقافة الغربية عبر العصور.

قبل الحديث عن الفيلم تحلو لي العودة للوراء - زمنيا - لواحدة من أهم المرجعيات في التراث العربي الإسلامي، كتاب (الملل والنحل) للشهرستاني. وتحديدا لجزء من الكتاب يتحدث عن المناظرة العقدية بين الحنفاء والصابئة حول مفهوم «الروحانيات» إذ يقول الصابئة: (الروحانيات: نورانية، علوية، لطيفة. والجسمانيات: ظلمانية، سفلية، كثيفة). هنا نجد الصابئة كما يصفهم كتاب الشهرستاني يؤمنون بوجود عالمين منفصلين (معقول ومحسوس)، المعقول هو العالم الروحي النوراني، عالم الفضيلة والعلو، يقابله العالم المحسوس، عالم الجسمانيات والأرواح المظلمة والخبيثة.

بينما يرفض الحنفاء -حسب الشهرستاني- فكرة أن الروحانيات كلها نورانية. يردون على الصابئة قائلين: (حكمتم على الروحانيات حكم التساوي، ما اعتبرتم فيها التضاد والترتيب، وإذا كانت الموجودات كلها - روحانيها وجسمانيها - على قضية التضاد والترتيب، فلم أغفلتم الحكمين ههنا؟ وذلك أن من قال: الروحاني هو ما ليس بجسماني، فقد أدخل جواهر الشياطين والأبالسة والأراكنة في جملة الروحانيات).


نستطيع أن نستخرج بعض المعتقدات والمفاهيم من مناظرة الصابئة والحنفاء حول عالم الروحانيات والجسمانيات، أو العالم المعقول والعالم المحسوس، بملاحظة وجود جملة من التقاطعات والمشتركات مع أفكار فلاسفة أوروبا الذين يفصلون بشكل حاد بين العالمين (المعقول والمحسوس)، خاصة عند الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت الذي يشك في حواسه ويعتقد بوجود شيطان ماكر يخدعها، لدرجة وصل فيها للشك بوجوده، أو الاعتقاد أنه يعيش في حلم، وأنه لا حقيقة للوجود المادي من حوله.

لفت انتباهي في المناظرة بين الحنفاء والصابئة ذكر «الأراكنة»، وقد يستغرب القارئ أنهم - بشكل أو بآخر- كانوا أبطالا في فيلم (The Matrix)، فهم - حسب الديانة الغنوصية - حراس العالم السفلي الظلامي (عالم الجسمانيات)، وبعبارة أخرى حراس السجن المادي، ويتصفون بأنهم كائنات شيطانية خبيثة. و أعاد صناع الفيلم صياغة الأسطورة الغنوصية القديمة في قالب من الخيال العلمي والذكاء الاصطناعي.

في الأدبيات الغنوصية تكمن وظيفة الأراكنة في حراسة العالم المادي وحبس الروح الإنسانية (القبس الإلهي) داخل عالم المادة المحسوس ومنعها من الاستيقاظ أو الطلوع نحو عالم الروحانيات العالم النوراني العلوي. وفي الفيلم تتجلى صورة الأراكنة في العملاء (Agents)، وهم شخصيات يرتدون بذلات سوداء رسمية متشابهة، ونظارات سوداء تخفي أعينهم (نوافذ الروح)، ويتحدثون بنبرة آلية جافة بلا مشاعر بشرية.

في أحداث الفيلم يصمم الذكاء الاصطناعي والآلات مصفوفة (Matrix) محاكاة لعالم افتراضي، بهدف إبقاء الوعي البشري في حالة نوم مغناطيسي دائم، ويبقى الجسد داخل أنبوبة زجاجية، ويتجلى دور العملاء في إدارة السجن الرقمي، وقمع أي محاولة للفرار منه. البشر في الفيلم ليسوا سجناء بالمعنى الحرفي، لكنهم يعيشون داخل تصور زائف للواقع دون أن يدركوا ذلك. وهذا يتقاطع فعلا مع أسئلة فلسفية قديمة، هل الحواس تنقل الحقيقة أو تصنع تصورا زائفا عنها؟

يمكن فهم تأثير الموروث اليوناني في حبكة القصة بالفيلم، من خلال الصراع القديم بين النور والظلمة، وبين الروحانية والسجن المادي المحسوس، فالعملاء هم سدنة العالم التقني الحديث، والمحاكاة الرقمية هي الغشاوة الجديدة على العقول. ومن خلال القصة نستطيع استنتاج تأثير الأساطير اليونانية القديمة في المخيال الأوروبي الحديث.