كان يعرض على الرائي في الليالي المخصصة للكلاسيكيات، عزف أشهر فرق الأوركسترا لأجمل المقطوعات، وكنت أجلس لكي أصغي مع جدتي الأمية التي لم تتح لها الفرصة للذهاب إلى المدرسة، لكنها كانت تستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية معي، وهي لم تكن تعرف - أو أنا - من هو بيتهوفن أو شوبان أو موزارت أو حتى كورساكوف الذي كانت تشدها مقطوعته «شهرزاد»، كيف لا وهي التي كانت تقص علينا حكايات: كان يا ما كان في قديم الزمان... زمان ألف ليلة وليلة... كانت كلما بدأت، نترك كل شيء لكيلا يفوتنا الولوج إلى عالم الخيال، وأجمل ما فيها أنها كانت في ليالي الشتاء الماطرة والباردة، حيث كنا نجلس قريبا جدا من الموقد لنتدفأ، وأعيننا عليها لأننا لا نريد أن يفوتنا أي من تعابير وجهها أو حركات يديها، ومن حولنا يرافق صوتها ضربات زخات المطر على النافذة وعلى باب الشرفة وكأنها موسيقى مصاحبة، وعبير قشور البرتقال وهي تحترق فوق المدفأة يتسرب إلينا مع أنفاسنا.. وهكذا تجسدت هذه الحكايات في وجداني صوتا ولحنا وعبقا، غزل أجمل ذكريات الطفولة.

ومع مرور الأيام كبرنا وانتقلنا إلى القصص الأدبية العربية والعالمية، وتذوقنا رحيق الكلمة، وتنزهنا في مروج، وتنقلنا بين المدن والغابات، وعدنا بالتاريخ، وخضنا مع شخصيات أروع المغامرات، وقمنا بمحاولة حل ألغاز قبل أن نصل إلى نهاية الرواية! ثم جاءت الغربة، وأول ما صدمني كان صورة الإنسان العربي في أفلامهم! كان صدري يضيق، أريد أن أتفاعل مع أبطال القصة، ولكني كنت كمن ضرب بخنجر في قلبه، والمطلوب منه أن يتعاطف مع حامل الخنجر! مشاعر متضاربة كانت تنتابني، وتساؤلات لا تنتهي تتجمع لتنسكب من أعماقي وأنا في حيرة... لماذا؟! حقا لماذا كل هذا التزوير؟! كيف لجمال وقبح أن يجتمعا في عمل واحد؟!

هنا انتقلت من الأدب إلى التاريخ، وبدأت أتلمس خيوطا أوصلتني إلى بداية الطريق.. ومشيت وما زلت إلى الآن أقرأ لأتعلم حتى تتضح الصورة في ذهني أكثر فأكثر، ليس لمعرفة الأسباب، فقد تبينت وتجلت مع بداية الطريق، ولكن حتى أعرف كيف أتعامل مع المعلومات وكيف أنقلها بحيث يستشف منها القارئ لأعمالي أين يكمن الخلل ليتنبّه ولا ينزلق ويصبح أسير الصورة النمطية التي رسمت لنا كأمة إسلامية أو عربية.


تحدثت في السابق عن أحمد بن فضلان وعن رسالته وعن تاريخه المجهول لدى غالبية أبناء أمتنا، وكيف أنه حينما ظهر في فيلم أجنبي، لم يتنبه الشباب إلى أنه شخصية حقيقية، واعتُبر من ضمن شخصيات خيال المؤلف، ورأينا كيف تعلق أطفالنا بشخصية علي بابا من خلال أحداث فيلم لديزني، وأكاد أجزم أن غالبيتهم لم تقرأ حرفا واحدا باللغة العربية عنه، كنت قد قلت يوما «يا ويلي إن أتى يوم وبتنا نقرأ عن تراثنا وتاريخنا بأحرف أعجمية»!

لنتصور معا قصة روبن هود حليف الفقراء وسندهم، من التراث والأدب الإنجليزي.. كيف كان يصول ويجول في الغابات ويقوم بالغزوات ليسرق من الأغنياء ليعيد إلى الفقراء ما أخذ منهم بالقوة، ولو أردنا أن نستعرض كمية الأفلام أو عدد الكتب التي تناولت قصته لما استطعنا لغزارتها، وتكرار القصص المنبثقة منها، والأكيد أنه لم يصور ولو مرة واحدة على أنه مجرم وخارج عن القانون!

وفي تاريخنا بطل أنقذ أكثر من سبعين ألفا من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ ممن كانوا تحت رحمة محاكم التفتيش وتعذيب الملك فيليب، ونقلهم إلى تونس والجزائر، كان يغير على السفن الأوروبية وخاصة الإسبانية حتى جعل البحر الأبيض المتوسط مملكته بلا منازع، إنه خضر بن يعقوب، وأطلق عليه العرب والمسلمون خير الدين ريس بينما لقب بصاحب اللحية الحمراء أو الصهباء «Barbarossa» من الأجانب، الاسم الأكثر شهرة له، وكان له ولإخوته تاريخ يشهد على بطولاتهم وغزواتهم، ومرة أخرى لمن يريد أن يعرف تاريخه فليرجع إلى المراجع العربية والأجنبية، فمنها من أنصفه ومنها من ظلمه، ولكن لن يغيب عن القارئ ذي الفكر الناقد والعقل المستنير، أن يميز بين الغثّ والسّمين مما كتب وما عرض على الشاشة الفضية من أفلام.

حينما ظهر اسمه في أحدث الأفلام الأجنبية الشهيرة «قراصنة الكاريبي»، كان ثمة ذكاء في التعامل مع الشخصية، كان قرصانا ولكنه بلباس غربي واسم أول غربي «هيكتور»، ولكنه كان ذا ذقن صهباء، هل هي صدفة؟! لا أدري ولكن معرفة بالطرق المستخدمة في تشويه أي شخصية تاريخية أو حدث تاريخي من قبل هوليوود، ليس مستبعدا ألا تكون صدفة، بل محاولة رخيصة للربط - في ذهن المشاهد - ما بين الشخصية التاريخية والشخصية الخيالية ذات التاريخ الأسود والإجرامي!

السؤال بل الاستغراب هنا ليس ما قاموا به، أو ربما صدفة ما قاموا به، ولكن السؤال هو لماذا لا نعرف نحن عنه؟ ولماذا هو مجهول بالنسبة لنا وبالتالي لأبنائنا؟ لننظر إلى ما فعله الغرب بتاريخ روبن هوود وأمثاله من تاريخهم، وما فعلنا نحن بتاريخ باربروسا والكثير من أمثاله في تاريخنا، كيف حُفظ الأول وقُدِّم وتكرر ظهوره حتى في كتب الأطفال، وكيف غاب الثاني عن صفحات كتبنا وأعمالنا الفنية.. وذاكرتنا!

مثل هذه القصص تشد الأطفال إلى القراءة لما فيها من مغامرات وبطولات، ونحن في أمسّ الحاجة في أيامنا هذه لكي نعيد إليهم ليس تاريخهم فحسب، بل أحرفهم وهويتهم.