أسبوع بكامله وجدت نفسي أمام أبشع ما يمكن أن يتخيله العقل البشري. «التصفية» على أساس الاختلاف في الرأي أو التيار. كان لمقتل الزميل المغدور لقمان سليم الذي أتصور أنه قد يكون أيقونة أو إشارة لعودة التصفيات الجسدية السياسية للمشهد السوداوي في لبنان، على أيدي القتلة وتجار الدم في حزب الله «والذي منه»، لكل من يعارض الميليشيا ونظام بشار الأسد في دمشق، أثر كبير في نفس كل إعلامي شريف، يعرفه أو لا يعرفه. أنا على يقين أن حجم الإنكار الدولي الذي أعقب مصرع لقمان سليم برصاصات غادرة في إحدى المناطق اللبنانية «الشيعية» التي يسيطر عليها حزب الله، نظير تمتع الرجل بمنظومة علاقات دولية، من خلال امتلاكه مركزاً للدراسات الاستراتيجية، سيضع الميليشيا المتطرفة على مرمى حجر من «الاتهام الدولي بتصفيته»، وربما الانقياد لمحاسبة المجرم، لا سيما وأنه كتب قبل فترة وجيزة بياناً، في أعقاب تهجم «زعران حزب الله» على منزلة الواقع في معقل الحزب «حارة حريك»، وأطلقوا عليه أبشع شعارات «الخيانة»، ليس لأنه خائن حقاً، بل باعتباره نطق كلمة الحق غير المذهبية والتابعة لأجندة طهران، وحمل في ذاك البيان حسن نصر الله ونبيه بري مسؤولية سلامته، وقرن تلك المسؤولية بالقوى الأمنية والجيش اللبناني.
يُمكنني القول لكل من يعول على نتائج التحقيقات الأمنية بالواقعة، أن عليه ألا يضع ذلك أمراً يمكن القياس عليه في ميزان العدل اللبناني، وإن أراد أحد ذلك، فلا بأس، لكن يجب التفكير، في نتائج التحقيق في انفجار المرفأ الذي مضى على حدوثه أكثر من 8 أشهر أين ذهبت، لا سيما وأن الجميع يعلم أن دولاً غربية وجهات دولية شاركت في التحقيق، ووضعت مرئياتها على طاولة رئيس الجمهورية «المغلوب على أمره»، ولم يحرك ساكناً.
وبناءً على ما سبق، كيف يُمكن أن تمر قضية مقتل لقمان؟ في الجزء اليائس بداخلي، أعتقد أن الجريمة ستضاف إلى سابقاتها. وفي الجزء الآخر الذي لا يزال يُعول على بعض الإنسانية في هذا العالم التعيس، أتصور أن الحادثة يجب ألا تكون عنواناً لعودة «التصفيات السياسية» لمجرد الاختلاف «المذهبي والسياسي»، وذلك يتطلب وقفةً من المجتمع الدولي، خصوصاً الذي يملك مفاتيح تقديم الإعانات للبنان، فالحادثة بالضرورة تبعث رسائل للعالم الآخر، مفادها– عليكم النظر لهذا البلد المختطف– من منطلق الأخلاقيات التي تمثلها وتبنى عليها العلاقات الدبلوماسية بين دولة وأخرى. وبناء على ذلك أرى ضرورة الضغط على السلطة الهشة في لبنان لإظهار الحقائق، التي يخشاها حزب هنا، أو ميليشيا هناك، استناداً على سؤال مشروع، كيف يمكن تقديم العون والمساعدة لدولة سادتها ميليشيا إرهابية، لا تحترم أبسط صور الاختلاف، وقد يقودها ذلك للتصفية والقتل؟
الإشارات حول القاتل كُثر بصرف النظر عن بيانات الاستنكار، كما كانت حول عدد من الأسماء والقوائم المغدورة، كمحمد شطح- رحمه الله- الذي اختصمت معه قبل تصفيته بساعات في اتصال هاتفي بعد أن قلت ما لم يرق له وحدثت مشادة كلامية بيننا- حينها كنت أعمل مديرا لتحرير الشؤون السياسية بهذه الصحيفة– وندمت أشد الندم على تلك المكالمة، ليتها لم تكن.
وكما في مقتل اللواء وسام الحسن، وسمير قصير، وجبران تويني الذي كان شعلة ثقافية حرة تمثل لبنان الحر قبل أن تستحوذ عليه عصابة حسن نصر الله. وفي مرحلة تاريخية رفيق الحريري، سبقه كمال جنبلاط الذي ذهب ضحية مناكفته حافظ الأسد وأجهزة مخابراته، وبشير الجميل، ورشيد كرامي، وإيلي حبيقة، وبيار أمين الجميل، ووسام عيد الشاب النقيب الذي كلف بالتنسيق بين الجهات الأمنية، وذهب ضحية اكتشافه معلومات حول أرقام هاتفية تم استخدامها في عملية اغتيال رفيق الحريري عام 2005، وهناك الكثير والمجال لا يتسع.
إن اختزال قرائن وإشارات قتل لقمان سليم ككاتب أو باحث سياسي يختصم مع حزب الله وبيئته– التي يعيش في عمقها– فيه كثير من الإجحاف، إذ يجب النظر لتفكير الرجل ورؤيته حول محاسبة مجرمي الحرب وعدم إفلاتهم من العقاب. وذلك يُمكن إسقاطه على حزب الله من خلال عمله على توثيق كثير من الحروب والأزمات التي افتعلتها الميليشيا، يضاف إليها توثيق حالات تحكي عذابات السجون «الأسدية»، والتي أنتج بناء عليها فيلم «تدمر»، الذي يختصر فظائع التعذيب والقتل الذي تعرض له الشعب السوري بعد اندلاع ثورة 2011.
أتصور أن لقمان ذهب ضحية لما يُمكن أن يكون وثائق وأدلة قد تلجأ لها دول ومنظمات دولية، لمحاسبة أولئك المجرمين، في خطوة مقاربة أو مشابهة للجندي الذي قدم مئات آلاف صور التعذيب في سجون النظام السوري للمنظمات الدولية، المعروف باسم «قيصر».
آن للعالم الحر الذي يتشكل من دول ومنظمات ومجموعات دعم يستفيد منها لبنان «شكلاً» بينما حزب الله بالمضمون هو المستفيد الأول، عدم السكوت عن إجرام الميليشيا، فذلك قد يبعث برسالة خطأ للإرهاب الطائفي، تشبه حالة الرضى عن ممارسته أو على الأقل لا مبالاة، والنظر إلى الخيارات المحدودة التي تتطلب إما قتل «الثعبان»، أو التوقف عن تغذيته وتمويله. فلا خيارات متاحة غير ذلك، إما أن تتخذوها قولا وعملا، وإلا كفوا عن التشدق بالحرية والإنسانية، ولتتحملوا رائحة الدم، ونواح الأهالي، والنظر إلى فوارغ الرصاص بعد استقرارها في رؤوس المغدورين.
اللهم امنحنا السلام.. والسلام.