المنافع بين الناس متبادلة وهكذا المصالح؛ فالناس تضمهم «قرية كونية» واحدة، وكما هو معروف؛ للناس أديان ومذاهب ومعتقدات وعادات وأعراف مختلفة، ولا يمكن توحيدها، أو توحيدهم على شيء واحد منها، ومن هنا كان لا بد من التعاون والتقارب والتحاور والتفاعل بين كل من تظله سماء الكون، وتحمله أرض المعمورة.
الوعي، ولا شيء غير الوعي، هو الأمر اللازم، وأقصد هنا الوعي بالمسؤولية التي تقع على عاتق الإنسان، وأخص بالذكر أصحاب التخصصات في أي علم، وأخص منهم المتخصصين في العلوم الدينية، وذلك للقيام بما تمليه عليهم ضمائرهم الحية تجاه أمن وتأمين العالم، وسلم وسلامة الناس أجمعين.
الوعي، المتقدم ذكره، من أهم المؤديات إليه الحوار المعتمد على التقدير المتبادل، والفهم المشترك، على كافة المستويات، سواء كانت دينية أو حضارية مختلفة، ويعني ذلك أن نتسامح مع بعضنا أكثر، وأن نتذكر دائما ولا نغفل أن أصلنا «من نفس واحدة»، وكما أن النفس كذلك، فالجوهر لا بد وأن يكون واحدا أيضا، ولا يعني ذلك التطابق بين الناس؛ فلكل إنسان خصائص، ولكل أمة مزايا، وهذه التعددية، وهذا التنوع سيؤدي حتما إلى التفاعل، وهو بدوره الذي يؤدي إلى الإبداع والتجديد، في كل المجالات الحياتية.
التنافس بين الناس مشروع، والحريات مكفولة، ومن يحاول الحد من ذلك، ليس إلا من المتطرفين سلوكيا وفكريا، وعلينا تقع مهمة القيام بتوجبه سلوك من حولنا، والقضاء على روح التعصب والكراهية لأي دين أو معتقد أو لون أو دم، وإشاعة روح التسامح والاحترام، والتأكيد على العيش بروح إيجابية، والتعامل بطريقة حيادية.
مرفوض تماما، شرعا وعقلا، أن يتعالى أحد على أحد، أو شعب على شعب، أو صاحب دين على غيره، أو أن يظن أحد أن له الحق وحده في السيادة أو التسيد على أي مخلوق في الكون؛ فكرامة الإنسان حق طبيعي يكتسبه منذ ولادته، وليس منحة خاصة، أو امتيازات دنيوية، وهنا تبرز المقولة المأثورة، والسؤال التقريري الخالد، للفاروق، رضي الله عنه: «متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟».
بنظرة سريعة في مأثوراتنا، نجد مجموعة من النصوص الصريحة، والوثائق المعروفة، والتعهدات المعلنة، وكلها تؤكد ضرورة أن نفتح صدورنا للحوارات المثمرة، والتعاون البناء مع كل شريك في هذه العالم، دون ادعاء الحقيقة المطلقة، وأن نهتم بتذليل العقبات التي تعترض هذا الطريق العام، وهذا القدر المشترك، ونترك التفاصيل والفرعيات لأصحابها، فهذا شأنهم، وهو حقهم؛ أما الحق العام فهو عيش الكل بسلام، وأن يسود الفهم بين الخليقة، وأن يكون التقارب مقدما، ودون غمز أو لمز أو تقليل من قيمة أحد، أو من قدره وقدرته أبدا، ودون تجهيل، أو تشكيك، أو سوء ظن.