وإن كانت تجربة (كلوب هاوس) لم تنضج بعد إلا أنه يمكن التنبؤ بأنها استطاعت إحياء القديم والمتمثل في «بالتوك» بطريقة وصياغة مختلفة. الحديث هنا ليس عن المزايا والعيوب أو عن حجم الإقبال الذي قد يكون وقتيا أو يستمر، الحديث عن الأبعاد التي قد يحدثها هذا التطبيق والذي سيجعل منه قيمة مضافة نوعية ومختلف عن بقية التطبيقات.

قبل الحديث عن استخدامات الضيف الرقمي الجديد، والتي تركزت معظمها في البدايات على قضايا ومواضيع تتجاوز محيط الترفيه إلى الجدية في الأحاديث والمحتوى المطروح، فإن ذلك يمكن اعتباره في حال استمر على ذات النهج بأنه نوع من رقمنة الصوالين الثقافية التي اعتاد الناس عليها لعقود، وكانت أحد أهم حواضن الفكر والأدب في المملكة، وأسهمت بشكل كبير جدا في إثراء الحركة الثقافية من خلال ما يطرح أو السجالات الأدبية الموجودة حتى أصبحت بعض الصوالين الثقافية أشبه بملتقيات فكرية تتدفق منها المعرفة والعلم.

الملاحظ أن معظم المواضيع التي طرحها المستخدمون في التطبيق اتسمت بالجدية منذ نقطة البدء، بخلاف كافة الشبكات التي شابت استخداماتها الأولية العديد من الممارسات الخاطئة. كما أن رقعة المهتمين بالجوانب العلمية والعملية تتسع أفقها بعد أن كانت في السابق محصورة على النخب. وقد يعود الأمر إلى أن التطبيق يعتمد على الصوت فقط مما يجعل من غياب الصورة والفيديو مسببا رئيسا لغياب الأمور الثانوية أو السطحية أو حتى الاستعراضية. فالمنصة لا تستوعب سوى من يجيد الحوار والنقاش والإصغاء والتحدث، وهو أمر يدخل في حيز التحدي في كيفية إيصال الفكرة إلى أذهان الجمهور عبر أثير الصوت فقط.

كلوب هاوس في حال استمراره على ذات النهج فإنه سيزيد من الحصيلة اللغوية لدى الجمهور بمعنى أن المستخدمين سيشاركون، وبما أن المواضيع معظمها تتسم بالجدية فإن المشاركات والأحاديث هي الأخرى ستكون بمستوى يتواءم مع الطرح الموجود، وهو ما قد يساهم في معالجة إخفاق الأسر والتعليم لعقود في صناعة جيل قادر على التحدث والتعبير عن ذاته، كما أنه سيطور بشكل كبير جدا من أدبيات الحوار.

ومن المهم جدا أن تستثمر الجهات هذا الإقبال المندفع من قبل الجمهور وتحديدا المؤسسات الحكومية بحيث لا تذهب تلك الأحاديث أدراج الرياح باستثمار المشاركات والأطروحات في تلك الغرف وترجمتها لتوصيات أشبه بأوراق العمل في المؤتمرات.

وكما هو حالنا نحن كمختصين في مجال الاتصال والإعلام من حيث ترقب استخدامات الجمهور لهذا التطبيق وتحليل اتجاهاته فإنه وفي الزاوية القريبة البعيدة يترقب أصحاب الشركات ذلك السلوك وكيفية اقتناص الفرصة في التواجد الإعلاني في ذلك الحيز، بل لا أستبعد أن بعض الكيانات الاقتصادية تدفع لبعض المؤثرين للحديث عن الشركة بطريقة غير مباشرة، وهو ما يعرف بأسلوب الطرف الثالث. وقد توظف بعض الشركات البرنامج وتستخدم من خلاله الإعلان التحريري بحيث تنشئ «حجرة» للحديث عن إنجازات الشركة وخططها بشكل مفصل.

ختاما لا بد من الإشارة إلى أن تاريخ الإعلام بشقيه التقليدي والرقمي يؤكد الحقيقة الدائمة بأنه لا توجد وسيلة إعلامية تلغي الأخرى، قد تسحب البساط أو تستفيد من خصائص الأخرى إلا أن الديمومة دائما للأكثر قدرة على مواكبة تنوع خصائص الجمهور ومستجداته.

يقول أحد رموز التجارة والإعلام الدولي روبرت مردوخ: العالم يتغير بسرعة، القوي لن يهزم الضعيف مستقبلا... بل سوف يهزم السريع البطيء.