هذا المقال لأولئك الذين يكرهون أن يصنفوا ضمن من (يسهل......./استغفالهم) ويدركون الفرق الشاسع ما بين (محاربة الشر ومحاربة الغباء)، فالأولى ممكنة والثانية صعبة جداً، فالمقال يحاول قدح هوامش فكرية حول كلمة (فعل الخير) كمحاولة حفرية متواضعة في (الخير) وهل هو صفة أم علاقة؟ ولنحاول طرح مثال كلاسيكي ونطبق عليه هذا السؤال ليتضح لنا أثناء الشرح معنى هل الخير صفة أم علاقة، والمثال يدور حول شراء العبيد، فلو اشترى شخص عبدا من سوق النخاسة وأهداه إلى والده الكهل ليقوم على خدمته، فهل هذا من فعل الخير؟ سنلاحظ هنا أن محاولة الإجابة تقتضي النظر إلى علاقة الفعل (شراء العبد) بأطراف الواقعة، فبالنسبة للابن وأبيه (هذا فعل خير/بر والدين) وبالنسبة لذات العبد (هذا فعل لا إرادة ولا رأي له فيه لقد تحول إلى مجرد شيء) وبالنسبة للنخاس/البائع، (هذه تجارة لا يعنيه فيها سوى قبض الثمن كحق مقابل سلعة)، وبالنسبة لإنسان من العصر الحديث (هذه جريمة اتجار بالبشر كاملة الأركان)، ولهذا فمن حق الأقدمين أن يختلفوا على التحسين والتقبيح (هل هو عقلي أم شرعي؟)، رغم أن هذا السؤال وفق معنى (العقل الحديث) سؤال لا علاقة له بالمنطق (سؤال غير منطقي)، لأن الدلالة الشرعية منذ اعتمادها عبر تحكيم العقل فيها من خلال (الجرح والتعديل) مروراً بالحسم حول قطعية دلالته وقطعية الثبوت، مروراً بخلافات التأويل وصراعات التفسير كل هذا أليس إخضاع النص إلى (فلترة عقلية)، لاعتماده وحتى إعادة إنتاجه من خلال علم أصول الفقه المستفتح بالمقدمة (المنطقية) ثم (التأويل العقلي)، كل هذا يدل على أن العقل مبتدأ المسألة ومنتهاها، والنص ليس إلا إشارات، مما اضطر الفقهاء للتسليم بأن (الحق يتعدد في مسائل الفقه) لكنه لا يتعدد في مسائل (العقيدة) رغم أن انضباط مسائل الميتافيزيقا أصعب والتأويل الدلالي فيها أوسع مما يستحيل معه الضبط أصلاً، ولهذا نتأكد أن الخلاف العقائدي جذره سياسي/ذاتي، وليس علمي/موضوعي.

نعود لكلمة (الخير) هل هي صفة أم علاقة؟ لأنه يستحيل أن نعتبر (الخير) صفة باعتباره لوناً أحمر أو أخضر، مربعا أو مستطيلا، طويلا أو قصيرا، بل هو يتكئ على مجموعة من المواضعات (العلاقات) التي تسمح للعقلاء أن يصفوه بالخيرية، وقد يهرب البعض من هذه الرياضة العقلية ليربط (الخير) بنوايا (الفاعل)، وهنا نسأل هل من (الخير) قتل (البقرة) لإطعام الجائعين؟ رغم أن ذلك سيؤدي مثلاً إلى مئات القتلى بين الهندوس والمسلمين.

قد يقول أحدهم: نسلم أن (الخير) علاقة لكنه مع الله، وهنا يرد سؤال: هل العلاقة مع الله لا تكون إلا بأفعال لها علاقة بالآخرين؟ فإن كان لها علاقة بالآخرين، فإنها تتحول من مسائل (الضمير/الدين) إلى مسائل (القانون) فمن يريد أن يقوي علاقته بالله بالصدقة مثلاً، فعليه قبل أن يخرج ماله أن يعرف حقيقة الصندوق الخيري الذي يضع فيه صدقته هل يصل إلى الفقراء أم إلى إرهابيين؟، وهنا نعود من جديد إلى المربع الأول في أن الخير علاقة أرضية وليس سماوية إلا في الضمير الديني الذي لا يمكن ضبطه، ولاستحالة ضبطه فقد استغله وراهن عليه الأشرار طيلة التاريخ الإنساني من كهنة المعابد في سبيل الثراء والنفوذ السريع إلى تجار شنطة الحروب الطائفية في العصر الحديث.

إذاً هناك من يحاول القفز مباشرة إلى أن (الكهرباء خير) وأن مخترعها قد فعل خيرا لا يمكن الطعن في علاقته بنفع البشرية (كل البشرية)، وأن (المطبعة خير) وأن مخترعها قد فعل خيرا لا يمكن الطعن في علاقته بنفع البشرية (كل البشرية)، ومثلها قائمة طويلة من المخترعات، منها السيارة التي حققت الخير للبشرية، وقبلها حققت الخير (للدواب) التي عشنا على حسابها ككائنات طفيلية ولا زلنا (نشرب حليبها، ونأكل لحمها... الخ).

هنا ندرك اتساع مفهوم (الخير) باتساع العلاقة بين الإنسان والطبيعة من حوله، لتظهر لنا إشكالات (أخلاقية) من نوع جديد، فجماعة (حماية البيئة) سيرون في المطبعة شراً على الغطاء النباتي، وحماة البيئة سيرون في أسلاك الكهرباء ضررا على بعض أنواع الطيور المهاجرة.... الخ من إشكالات تتسع باتساع الحضارة الإنسانية، التي بدأت منذ تغلب الإنسان العاقل على الإنسان البدائي (النياندرتال) رغم ضخامة البدائي أمام حجم الإنسان العاقل، لكن هذا الضخم كان عاجزاً عن تكوين جماعة تتجاوز الخمسين فردا، بينما الإنسان العاقل استطاع تجاوز هذا العدد بالمئات، ليكتشف الإنسان في هذا التجمع الإنساني معنى (الخير) كعلاقة بدأتها القبائل الوثنية بطقوس يختلقها ساحر القبيلة بين أفرادها مع قوى (الخير) لاسترضائها كي ينزل المطر، أو تقديم قرابين بشرية لكف أذى (قوى الشر)، وبالعقل الإنساني استطاعت الحضارة الإنسانية تجاوز هذا المشوار الطويل لتصل إلى (وثيقة حقوق الإنسان) لتحديد (الخير) في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، على أساس يقتضي أن (الناس يولدون أحراراً) والحرية هنا (القدرة على إدراك الخير في اعتبار الناس سواسية بدون أي تمييز عرقي أو ديني... الخ مع امتلاك القدرة على إرادة الخير)، فتحرير العبيد في التاريخ الإنساني الحديث كان شراً مستطيراً على كثير من (الأسياد) ـــ قلنا أسيادا ولم نقل أحرارا، لأن معنى الحرية الحديث يلغي مفهوم السيد والعبد، لأن كل سيد مفترض يحمل في داخله إمكانية عبد محتمل ــــ وكل هذه السيرة الطويلة من (الخير كعلاقة) بداية من شراء العبد في سبيل بر الوالدين، وصولاً إلى اختراع الكهرباء في سبيل نفع البشرية جمعاء، ورغم ذلك ما زال (الخير كعلاقة) متغير بتطور البشرية في علاقتها مع نفسها ومع الكون من حولها، لنرى من يتساءل بعد ألف عام من الآن عن معنى الخير لدى سكان الأرض، لأنهم ربما يرون الخير بعد ألف عام مجرد تعديل جيني بسيط يهندس السلوك الإنساني في مدينة إلكترونية تتفاعل مع الإنسان لوغاريتمياً ليصبح مجرد آلة تتساءل سؤالها القديم قدم التاريخ: (هل الإنسان مسير أم مخير؟).