الباحث النابه الدكتور عبدالله بن محمد الرشيد، يضطلع بدور مهم في سماء الثقافة السعودية، وصحافتها تحديدا، من خلال مقاله الأسبوعي في صحيفة «عكاظ»، ومن خلال ما يكتبه هنا وهناك، في صحف ودوريات سعودية وعربية، ورقية وإلكترونية، ناهيك عن حسابه الثري في منصة «تويتر». وهذا الدور الذي يقوم به الدكتور عبدالله الرشيد، يتمثل في السعي الجاد نحو إبراز الدور العربي الجميل في الحضارة الإنسانية، مع محاولة نفي الزيف والتشويه الذي طال هذا الدور عبر باحثين، ومستشرقين كثر، وهو بذلك يوازن الكفة مع كتَّاب سعوديين آخرين، يحاولون تسليط بقع ضوء كبيرة على مواطن الخلل في الفكر العربي، ككتابات الأستاذ إبراهيم البليهي، والأستاذ محمد المحمود.

ومن وجهة نظر خاصة أتوقع أن الدكتور الشاب- إن استمر على هذا الطريق وركز جهده فيه- فإنه سيقود عملية عودة شبابية لمثقفي السعودية من الشابات والشباب، إلى إرث أمتهم العربية العظيم، متسلحين بأدوات نقدية، حارب في سبيل ترسيخها في العقل السعودي الثقافي كبار مثقفي المرحلة ومفكريها.

وحديثي في هذه المقالة عن كتاب الدكتور عبد الله الرشيد، «حنابلة وعلمانيون» الصادر عن دار «جداول للنشر والترجمة»، في يناير 2020، ومن تقديم المفكر العربي الكبير رضوان السيد.

وعلى الرغم من قناعتي التامة، بأن العلمانية، والعلمنة، والعلماني، من المصطلحات سيئة السمعة، والتي لاقت تشويها متعمدا امتد على مدى ستين سنة وأكثر، ورسخ هذا التشويه دهاقنة الحاكمية، مثل: أنور الجندي ومحمد قطب وسفر الحوالي، أو على يد من فهم المصطلح بشكل عميق، ولكنه اجتزأه، وابتسره في ثنائية الديني والدنيوي لأغراض الله أعلم بها كالمسيري وغيره، يأتي عنوان الكاتب، ليؤكد إمكانية تلاقي الديني والدنيوي في العلمانية، حينما يقول لك العنوان: هناك حنابلة علمانيون، وهذا التفسير والتحليل هو مني، والكاتب الكريم براء منه.

والدكتور رضوان السيد في مقدمته للكتاب لم يكن مصدوما من العنوان، كما يتوقع أن ينصدم منه القارئ، وهذا في ظني عائد لفهم الدكتور رضوان السيد العميق لروح الدين، والفهم العميق للسياسة، وكذلك لفهمه معنى العلمانية، وكونها منتجا سياسيا بحتا، وقالب يمكن أن يحوي أيا من نظريات الحكم مهما اختلفت مشاربها، وظهر هذا جليا في قوله عن منطق الإمام أحمد بن حنبل ونظرته للأمور: «لقد كان منطقه: الفصل بين الشأن الديني، والشأن السياسي، وليس بين الدين والدولة، كما هو مبنى الدولة ومعناها الحديث». وأوضح السيد في مقدمته أمرا جميلا يتعلق بالكتاب والكاتب، حينما قال «لقد أوهمنا الكاتب البارع في العنوان أنه اكتشف في الحنبلية المتشددة علمانية مستترة أو ظاهرة. أوهمنا لكنه لم يغشنا نحن قراءه أو يخدعنا. ففي زمن الأصوليات والإحيائيات والجهاديات، وكلها تزعم أنها سلفية وتمتُّ إلى ابن حنبل والحنبلية بصلات وثيقة، لا تبدو الوهابية ولا الحنبلية بتلك الصورة المزعجة، بل هم أناس يُظهرون انضباطا شديدا، لكنهم ليسوا متطرفين ولا عنفيين. والرشيد حنبلي وليس علمانيا». الكتاب، يذكرني بكتابات علي العميم الاستقصائية، والتي رغم أنها تهديك إجابات دقيقة وعميقة وغير متوقعة لبساطتها أحيانا، فإنها تثير عاصفة من الأسئلة المفتوحة، التي تجبرك على البحث وتقليب الكتب والدراسات، وربما أعجزتك تلك الأسئلة عن الاقتصار على الكتب وحدها، فتنطلق للبحث عن مهاتفة أو لقاء أحد خبراء المعرفة لربط الأمور، ووصل المنقطعات، وإزالة الغبش عن بعض الأفكار المتولدة من المعلومات، وهذا النوع من الكتابات بالتحديد، لها فضل عظيم على القراء في مقتبل العلم والتعلم، وكذلك هي كل قراءة تثير سؤالا للبحث، ولا تقدم جوابا على طبق من ورق.

افتتح الكاتب كتابه بأسئلة ظاهرها البساطة لكثرة تداولها، ولكنها عميقة، ومفصلية إزاء سؤال التخلف العربي، وربطه بالتراث العربي والإسلامي، وتساءل: إن كان سبب تخلف المسلمين والعرب، هو التراث؟! فكيف تقدم المسلمون والعرب، وأصبحوا مزدهرين، ومؤثرين في الحضارة الإنسانية ذات يوم؟! ثم وبطريقة جدلية، طرح سؤالا إشكاليا مفترضا، فيما لو لم يكن التراث سببا للمشكلة، فلماذا نحن اليوم نقتتل فيما بيننا ونتقهقر ونتخلف بسبب هذا الانغماس في التاريخ؟!

ويشرح الكاتب في مقدمته، كيف اجتهد المثقفون والمفكرون في دراسة التراث والتعامل معه، وقراءته، وفقا لمناهج ثقافية عدة، ابتداء بمنهج القطيعة، وانتهاء بمنهج الإحيائية، مرورا بالتلفيقية والانتخابية.

ويطرح الكاتب سؤالا يصفه بالصعب، وهو وصف صادق ودقيق، أننا إذا اتفقنا على أنه لا يمكن لأمة أن تنهض من دون تراثها، فكيف يكون هذا النهوض، وما التعامل الأمثل مع التراث؟

ثم يردف قائلًا: «بغض النظر عن هذه المناهج الثقافية، وأيها الأصح، فإن تقريب قضايا التراث، وتبسيطها، وتفكيك جزئيتها، وطرح إشكالياتها القائمة على أرض الواقع بصيغة تبحث عن المعرفة، وتنشد الحقيقة بحد ذاتها من دون مآرب أو غايات فئوية أو طائفية، هو أمر قد يساعد بشكل كبير في توضيح الصورة، وتعزيز قيمة البحث العلمي، والنظر الموضوعي، ويدفع نحو فهم أشمل لمسائل التراث، واستيعاب وقائع التاريخ».

وهاهنا طرح أعجبني، جعلني أتأمل إمكانية إعادة قراءة العقل العربي، على غرار قراءة محمد عابد الجابري، وفهمي جدعان، وهشام جعيط، وجورج طرابيشي- فيما خلا نقد النقد- ولكن وفق قراءة عكسية، تطرح مواطن القوة، والعمق، بدلا من عرض مواضع الكسر والضعف، مع وجود القراءة التبجيلية إلا إنها لم تكن سالمة من المآرب والغايات التي حذر منها الكاتب في كلامه الفارط.

الفرضية التي تسحرني دائما، وتشدني لها، لخصها الكاتب في (ص 14)، وأذكرها بتصرف «سوف يجد المتطرفون شواهد تُشرع لممارساتهم من التاريخ والتراث، وفي المقابل سيجد المعتدلون شواهد أخرى تدعم مواقف التسامح والانفتاح، لكن هذا الاختلاف يؤكد حقيقة واحدة، أنه لا أحد يمتلك حق احتكار التراث أو النطق باسمه أو تلوينه بلونه، فهو فضاء مفتوح متنوع بتنوع الإنسان، وتعدد الزمان والمكان».

أخيرا، الكتاب على الرغم من عمقه، وجدية أفكاره ومقالاته، فإنه مناسب جدا ليكون رفيق سفر، وصاحبا في المطارات، ومرافقا في الطائرات، أعاد الله لنا السفر والمطار والطائرة.