«دقيقة من وقتك» «ما راح ناخذ من وقتك شيء» بهذه العبارات دائما ما يقدم صاحب الاستبيان نموذجه للعينة التي يريد منهم تعبئته، ظنا منه أنها قد تكون محفزه للمتلقي، أو بمعنى أدق أنها غير منفرة وسيتجاوب لما طلبه بسهولة. غير أن الواقع خلاف ذلك، فمن أثقل المهام على المتلقي بما يفوق أحيانا ثقل عمله الوظيفي حين يطلب منه تعبئة نموذج واستبيان، وبالتالي فإن معظم المشاركين يمارسون عدم الجدية عند الإجابة، الأهم لديه أن يتخلص من تلك المهمة.

هذه الإشكالية ليست بسيطة إطلاقا بل تحمل تبعات قد تصل لمرحلة الخطورة لأنه من المحتمل أن يبنى على نتائج الاستبيان قرار أو قد تكون نتائج الدراسة غير دقيقة بناء على أن المعلومات ومدخلاتها كانت خطأ بسبب استبيان كان مزعجا للعينة. وعند البحث في مسببات تلك الإشكالية نجد أن من أهمها عدم قناعة القائمين على الاستبيان بذلك، وإنما هو إجراء روتيني أو متطلب لدى الجهة يجب عليها القيام به، وبالتالي فإن الأسئلة التي صيغت لذلك النموذج لا تعدو كونها «تأدية مهمة وواجب» ليس إلا.

ومن الطبيعي أن عدوى عدم القناعة لدى القائم على الاستبيان سوف تتسرب للمتلقي الذي يشعر بأنه مهما بذل من جهد في إجابته فإن واقع الأمر لن يتغير منه شيء إطلاقا، لذا فإن تعامله مع الاستبيان يكون من منطلق ملء الفراغ دون حتى قراءة السؤال.

وما بين عدم جدية صاحب الاستبيان والمتلقي تتجذر إشكالية أخرى تتمحور حول محتوى الاستبيان. والذي للأسف لا يراعي عامل الوقت بل يذهب في تفاصيل فرعية تطول لصفحات متلاحقة لا تفيد إجابتها مطلقا في الموضوع المراد التعرف على آراء الناس حياله.

كما أن بعض الأسئلة تكون ذات طابع جاف دون مواكبة للواقع أو أنها لا تتيح الفرصة للمتلقي التعبير عن تفاصيل إجابته وتسمى أكاديميا الأسئلة المغلقة. ومن الإشكاليات كذلك اتساع الرقعة بين إيمان صاحب الاستبيان بجدوى الموضوع المراد بحثه ووعي واستيعاب الجمهور أمر مقلق جدا مما يجعل صدقية تلك النتائج دائما ما تكون مثار الشك، لأنه من الصعوبة إقناع الناس وشحذ همتهم لدخول دائرة اهتمامات الباحث.

وجميع تلك المعوقات الموجودة في الاستبيان يضاف لها عنصر آخر حين يكون استبيانا ورقيا تتم الإجابة عليها في سلسلة من الصفحات، والأمر نفسه لا يتغير من حيث الرتابة إلكترونيا، حيث قدمت نماذج الاستبيان بشكلها الرقمي بأسلوب منفر من حيث توقيت الظهور، أو حتى في نمط المحتوى المقدم أو المشاكل التقنية وتعطل رابط الاستبيان وغيرها.

وللتغلب على هذه المعضلة الكبيرة لا بد أن يكون القائم على الاستبيان مؤمنا إيمانا تاما بجدوى موضوعه، وأن تكون استفساراته مرتبطة بالواقع المعاصر إضافة لمراعاة عامل الوقت، بحيث لا يصيب المتلقي بالملل.

كما يستوجب إيجاد نمط تحفيزي للمشاركين في الاستبيان من حيث تبيان أهمية النتائج، ومن ثم القرارات الناجمة من الاستبيان لاحقا. كما يشمل التحفيز تكريم أصحاب المقترحات الإبداعية التي تحمل أفكارا خارج الصندوق من المشاركين في الاستبيان. ومن سبل التشويق كذلك كسر حاجز الأسئلة بمعلومة معينة أو إحصائية سابقة، أو حتى كتابة الاستبيان بأسلوب قصصي ترفيهي لتجعل المتلقي أكثر استيعابا للموضوع والاندماج معه.

يقول البروفيسور هاريسون، وهو المختص في البحوث المسحية في جامعة هارفرد، إذا أردت الحصول على نتائج دقيقة من استبيانك، صغ النموذج وكأن من سيعبئه دائما على سلم الطائرة!