تبرز أهمية وجود مؤشرات علمية تقيس مستوى الأداء وجودته في قطاع ما أو قضية محددة؛ في التمكن من الوقوف على مستوى الإنجاز في الأداء، والقدرة على رصد درجة الخلل الموجود، بما يتيح تعزيز المكتسبات، ويسهم في معالجة الثغرات أو الإخفاقات، بما يتناسب معها من سياسات وأدوات وإجراءات تخدم تحسين أدائها وعطائها بمختلف توجهاته.

يعتبر توفر البيانات الواضحة والشاملة والدقيقة بتفاصيلها وبمستوى شفافية عال؛ عاملا أساسيا ومحوريا في نجاح قياس المؤشرات، وفي تقييم مستوى الأداء أو حجم التفاعل والعطاء في قضية معينة أو حدث ما، وتوفير البيانات بمؤشراتها المتباينة وتفاصيلها المتخصصة يتطلب تتابعا في الرصد لفترات زمنية محددة متوالية، حتى يمكننا الوقوف على درجة التغير وحجم الإنجاز في الشأن المنظور محل الدراسة أو القضية محل الاهتمام، ولذلك فإن المنظمات الدولية بهيئاتها المتشعبة، توفر بيانات دورية وأحيانا سنوية عن القضايا المختلفة، بخاصة التنموية منها باعتبار أن التنمية المستدامة بمساراتها المتعددة، أصبحت تستحوذ على أهم المستهدفات العالمية، نحو تحقيق حياة أفضل للمجتمعات البشرية بجميع مقوماتها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

وإذ يعد تمكين المرأة من أحد أهم أهدافنا الوطنية ورؤيتنا الاستراتيجية 2030؛ كأحد التطلعات والمنجزات التي تستحوذ على سياساتنا التنموية القائمة، والتشريعات القانونية ذات الصلة؛ فإن توفير بيانات سوق العمل الوطني؛ يعُد من أحد أهم البيانات التي نحتاج دوماً إلى الاستناد إلى مؤشراتها ونتائجها المتجددة، لارتباطها بقياس مستوى التمكين الاقتصادي والاجتماعي المأمول؛ ولذلك فمن الأهمية بمكان توفيرها بمصداقية وشفافية لا تخلو من التفاصيل الجزئية للبيانات.

تشير بيانات مسح القوى العاملة في ربعها الثالث من عام 2020 إلى أن هناك شبه مساواة بين معدل مشاركة السعوديات- 15 سنة فأكثر- في القوى العاملة المواطنة، ومعدل البطالة لهن، إذ تسجل المشاركة معدل %31.3 في حين تسجل البطالة %30.2، ولكن على الرغم من ارتفاع معدل البطالة، فإن البيانات تشير كذلك، إلى انخفاض واضح في معدلها مقارنة بنفس الفترة من عام 2016، والتي سجلت آنذاك %34.5، كما تشير البيانات إلى ارتفاع كبير في معدل مشاركتها في القوى العاملة من %19.0 (2016) إلى %31.3 (2020) لنفس الفترة المقارنة، وذلك نتيجة لتوجيه السياسات والإجراءات نحو رفع نسبة توظيف المرأة مع انطلاقة الرؤية ومضمونها وأهدافها المعنية بالمرأة وتمكينها.

بالاستناد إلى ما نشره المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة الحكومية «أداء» فيما يخص تفعيل تمكين المرأة، اعتمادا على نتائج تقرير البنك الدولي حوله؛ فإن البيانات تؤكد أن المملكة حققت قفزات تنموية فيما يتعلق بالمرأة ومستحقاتها، إذ تصدرت السعودية «المركز الأول» في تحقيق المساواة بين الجنسين في «معدل الالتحاق بالتعليم»، وذلك في إطار الفجوة الحاصلة بين الجنسين عند كثير من الدول المتقدمة وليس النامية فحسب، والذي رصدته نتائج تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، وعلاوة على ذلك، فإن ما حققته المملكة من تحولات تنموية مبهرة في مؤشر «المرأة وأنشطة الأعمال والقانون» منذ عام 2015، والذي تخطى في نسبته الفارقة لعام 2021، معدلا يصل إلى %150.7 مقارنة بعام 2017؛ ليعد إنجازا غير مسبوق، ويفيد ذات التقرير «أداء»، بأن المملكة سجلت نجاحات في مؤشرات تمكين المرأة السعودية بارتفاع ملحوظ حتى في نسبة توليها «المناصب الإدارية» بنسبة تصل إلى %183، في مؤشر المشرعين وكبار المسؤولين والمديرين.

من جانب آخر، فإنه على الرغم من تقدم المملكة 33 مرتبة في مؤشر المساواة في الأجور بين المرأة والرجل في الأعمال المماثلة، بناء على نتائج التقرير الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي؛ فإن مؤشر المساواة بين الجنسين في متوسط الأجر الشهري للسعوديين؛ ما زال يحتاج إلى تطوير في سياساته، لما يلاحظ فيه من اختلال لصالح الذكور، وإن كان ذلك يلاحظ في معظم دول العالم حتى المتقدمة منها؛ إلا أننا في ضوء السعودية العظمى والتطلع نحو التميز العالمي؛ نأمل في تحقيق المساواة بإجراءات مسبوقة دوليا، إذ تشير البيانات إلى أن متوسط الأجر الشهري للذكور هو 10.382 ريالات، بينما الإناث 8.680 ريالات، ويتفاوت الأجر بدرجة أكبر عند مقارنته بالمؤهل، إذ يرتفع متوسط أجر الذكور إلى 12.476 ريال لمؤهل البكالوريوس الجامعي، بينما ينخفض الأجر للإناث إلى 9.809 ريالات لذات المؤهل، ويندرج ذلك على المؤهلات الأخرى جميعها (الربع الثالث من عام 2020).

جميع ما حصدته المرأة من مكتسبات، وما تمكنت منه من مستحقات، استند على قاعدة صلبة من القوانين والتشريعات القانونية والمؤسسية الضابطة لها، ستسهم في قوة ومتانة البنية الاجتماعية والاقتصادية للوطن ومقدراته، والتي واكبتها سياسات مدروسة وإجراءات حقيقية، ترجمت كثيرا من مستهدفات خططنا الاستراتيجية وتطلعاتنا نحو تمكين المرأة؛ إلى واقع نعيشه وممارسات نجدها في مختلف جوانب حياتنا اليومية، سواء على نطاق المجتمع الصغير والأسرة، أم على المستوى الوطني والعملي في القطاعات المختلفة.

ما أنجزته السعودية، في ملف تمكين المرأة على امتداد عقود من الزمن تخللت مسيرة التنمية الوطنية، وما شهدته الساحة الوطنية من تحولات عميقة في السنوات القليلة الماضية منذ انطلاقة رؤية 2030؛ ليعد قفزة نوعية شاملة في جميع المجالات التنموية، وتحولا جذريا في مجال المرأة على وجه الخصوص، والذي شمل جميع متطلباتها واحتياجاتها وسبل تمكينها اجتماعيا واقتصاديا وأسريا، ليعد وساما مشرفا، وتقديرا كريما لمكانة المرأة ولدورها الأساسي في المجتمع.