كما أن الخبرات لا تُكتسب إلا من تتابع العثرات، فإن التفكير الإبداعي خارج صندوق التقليدية، يحتاج غالبا إلى أزمات تفتح له نوافذ يحلق من خلالها. منذ بداية العالم وعلى مر التاريخ هناك أزمات مربكة في كل اتجاه، بدءا من غدر قابيل بهابيل، امتدادا لحروب وصراعات الأديان والحضارات والسلطة والغذاء والماء، ثم الثورات الصناعية وغيرها مما تتنافس عليه البشرية، ولا عجب فهذه هي طبيعة البشر.

الحديث عن أبرز الأحداث منذ بداية الألفية الثالثة بعد الميلاد يتضمن سلسلة من الأحداث العالمية، بدأت بأحداث 11 سبتمبر، ثم الربيع العربي الذي تحول إلى خريف تساقطت معه أوراق دول عربية كانت مخضرة، لتصبح صفراء يابسة، أحوالها تسر العدو وتحزن الصديق، وصولا إلى الأحداث المؤلمة المتسارعة التي عاشتها مصر خلال الأيام الماضية، وقبلها جائحة كورونا بكل شراستها التي وضعت اقتصاد العالم في مهب ريح عاتية ما زالت الدول تحاول أن تتجاوزها بمقاومة هائلة، سقط فيها من سقط ونجح من نجح.

أزمة كورونا ومن بعدها قناة السويس، تحتم علينا إعادة قراءة كثير من الأمور، لندرك أن العالم أصبح جسدا واحدا متصلا، تعطل جزء منه يؤثر في البقية. مع الجائحة موازين القوى تخلخلت، والأولويات كأنها بدأت تتبدل، العالم بصفة عامة لم يعد ولن يعود كما كان، والأزمات أيا كان نوعها، تأثيرها لم يعد محصورا بحدود دولة ولا على شعب بعينه.


ما يهمني هو وطني الذي هو جزء مهم من العالم، أهدافنا ورؤانا التي نسج حلمها سمو ولي العهد ما زالت منطلقة بقوة، لم تقف بوجهها ريح كورونا العاتية، رغم الضرر الذي أصابنا كجزء من العالم تأثرنا به كما غيرنا، ضرب حياتنا وحملنا إرهاقا أتعب قطاعاتنا الصحية والتعليمية والسياحية والاقتصادية، وحتى الحج والعمرة التي كانت الحياة المحيطة بها في حراك دائم لا يهدأ، أصبحت أماكنها خالية، ولكن ولله الحمد بفضل الله ثم الحكمة في إدارة الأزمات مازلنا نتماسك وتجنبنا السقوط. الآن نعمل على الترميم السريع الذي يعيد لما تأثر عافيته خاصة بعد حرص الدولة على تحصين المواطنين والمقيمين باللقاح لنمضي بقوة وعزم وإصرار ونجاح بتوفيق من الله.

مشاريعنا العملاقة التي كان أخيرها وليس آخرها، مبادرتا السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر التي بقدر ما هي فخر وطني، هي أيضا حس بالمسؤولية تجاه العالم، وضعت فيه القيادة السعودية الأرض والبيئة قيد الاهتمام لمكافحة أزمة المناخ والتصحر، وغيره مما يضر البيئة ليكون لنا دور قيادي في الحقبة الخضراء القادمة، إلى جانب ما سيستجد من مبادرات ومشاريع تدعم مسيرة النماء.

كل هذا يتطلب مراكز بحث لتكون أحد الخطوط الدفاعية عن مشاريعنا العملاقة التي تفتح شهية حسادنا للإضرار بنا بطرق مباشرة أو غير مباشرة، ومن جانب آخر تكون جاهزة للتصدي لكوارث لم نحسب حسابها كما حدث مع كوفيد-19، من خلال تتبع تسلسل تاريخي لنماء الشعوب وعوامل سقوطها أو استمرارها، وقراءة المشهد العام جيدا، لتكون هناك حلول جاهزة عندما تستدعي الحاجة إليها.

كقيادة وشعب كلنا قلب واحد نبضه هذا الوطن، وجائحة كورونا جعلت كل إنجازات المملكة في إدارتها لها، ذرات من ملح في أعين كل مشكك، وهذا ما يجب أن نحافظ عليه والتطوير من أدواتنا كي نبقى في أعلى القمم.

إنجازاتنا لم تتحقق بسهولة، والمحافظة عليها تتطلب منا إخلاصا وتفكيرا وهمة وعملا نحن أهل له، وهذا هو ما سنراهن عليه إن شاء الله.