كان بدر شاكر السياب يرى القصيدة الطويلة بناء يعتمد على قطبين (كما في فجر السلام والأسلحة والأطفال) أو على الاسترسال مع التداعي (كالسوق القديم وحفار القبور والمومس العمياء)، وكل قصيدة منها لابد من أن تعتمد على مشروع تمهيدي يهيئ الجو العام أو يطرح المشكلة، ولو لم يخبرنا أن قصيدة «أنشودة المطر» كانت قصيدة طويلة لتصورنا فيها ذلك حين ننظر إلى اعتمادها على فاتحة مسترسلة، وكذلك جاءت قصيدة «غريب على الخليج»، وهما تمثلان وجهين لقطعة عملة واحدة، فتؤكدان بذلك التقارب الزمني بينهما. إلا أن قصيدة «غريب على الخليج» ربما كانت أسبق في الزمن لأنها لا تزال تحمل طبيعة المقدمة التي افتتحت بها قصيدة «المومس العمياء» كما تحمل إثارة من صور هذه القصيدة وبعض أفكارها.

وقد يوهم بناء كل من هاتين القصيدتين «غريب على الخليج» و«أنشودة المطر» أن الازدواجية لا تزال هي القاعدة التي ترتكز عليها كل منهما. فالأولى تمثل الإحساس بالغربة والشوق العارم للعودة إلى العراق ولكن عدم وجود النقود يقف حائلا دون هذه العودة، والثانية تصور العراق نفسه من خلال المنظر الماطر. والحقيقة أن الازدواج في القصيدتين قد يسمى ازدواج التطابق: فالعراق والنقود التي تمكن الغريب من العودة شيئان متطابقان - أو هما أيضا وجها قطعة العملة الواحدة - أحدهما لا يستقل بالوجود دون الآخر، والعراق والمطر في القصيدة الثانية شيئان متطابقان أيضا، بل هما أشد تطابقا من العراق والنقود، لأن الصلة بينهما صلة حياة مستمرة، لا عودة فردية محفوفة بظروف عابرة.

وتعتمد الإثارة فيهما على السحر البدائي الكامن في اللفظة، فاللفظة المتكررة هي التعويذة التي يرددها الساحر القديم، أو هي «افتح ياسمسم» - كلمة السر- التي تنفتح على وقعها مغيبات النفس. وهذه اللفظة هي «عراق» في القصيدة الأولى وصنوها «نقود»، وفي الثانية «مطر» وليس لها صنو منفصل، وإنما تحمل صنوها «عراق» في ذاتها حمل الأم للجنين.


في القصيدة الأولى «غريب على الخليج» تنفجر في داخل النفس «عراق» والريح تصرخ «عراق» والموج يعول «عراق عراق» والأسطوانة في المقهى تردد «عراق» وينفتح على ترديد اللفظة أبواب الماضي: فإذا بالطفولة المتمثلة في وجه الأم والنخيل وحكايا العمة والتنور الوهاج، وإذا الشوق:

شوق الجنين إذا اشرأب من الظلام إلى الولادة.

عودة طبيعية إثر تلك اللفظة السحرية، ولكن سرعان ما يعود الشاعر من حلم الماضي إلى واقعه ليرى نفسه:

تحت الشموس الأجنبية

متخافق الأطمار أبسط السؤال يدا ندية

صفراء من ذل وحمى

ذل شحاذ غريب

بين العيون الأجنبية

بين احتقار وانتهار وازورار أو «خطية»

والموت أهون من «خطية»

من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبية

قطرات ماء... معدنية.

في «أنشودة المطر»

كأنها أقمار في نهر يرجه المجداف، أو كأن النجوم ترقص في غوريهما، فإذا غابتا في ضباب الأسى أصبحتا كالبحر «سرّح اليدين فوقه المساء» وأخذ يخفق فيه تيار من الحياة، فهو يعكس دفء الشتاء وارتعاشة الخريف والموت والميلاد والظلام والضياء... لا فرق بين الأم الكبرى والأم الصغرى، كلتاهما لبعدها تثير في نفس الطفل «رعشة البكاء ونشوة وحشية تعانق السماء».. عينا الأم الصغرى تغيم بالأسى، والطفل يحس برعشة البكاء، فتلتفت الأم الكبرى بعينين باكيتين ووقع قطراتهما يقول: مطر...مطر... مطر، أنشودة متصلة تشبع هذيان الطفل الذي قالوا له إن أمه ستعود، ورفاقه يهمسون بأن قبرها هناك على التل، يشرب قطرات المطر... ويجتاح الوجود كله حزن غامر، فيزداد إحساس الغريب بالضياع على سيف الخليج، فيصيح به «يا خليج يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى..».

المنظر ناضح بالحزن حتى أعماقه، ورغم أنه يصور طفولة الشاعر ويستمد أكثر مواده منها فإنه الحقيقة التي يجب أن تلد حقيقة مغايرة.. من الحزن يجب أن يتولد المرح، كما يتحتم أن يتولد عن المطر خصب وغلال، ولكن الشاعر غريب ناء، ولهذا فإن المطر لم يولّد في نفسه إلا جوعا، شوقا إلى الأم، إلى القرية إلى الطبيعة، والشاعر والعراق سيان، لأن المطر لم يولد في العراق إلا الجوع... لأن الغلال التي يسكبها المطر لا يأكلها إلا الغربان والجرادج... وتاريخ المطر في العراق طويل، ولهذا كان تاريخ الجوع فيه طويلا:

وكل عام حين يعشب الثرى نجوع

ما مر عام والعراق ليس فيه جوع.