عشية انتهاء «مهلة ترمب»، تبادل طرفا الحرب التهديد بـ «الجحيم»، فلا الخراب الحاصل انعكس على أصحاب القرار في إيران، ولا الأزمات والاضطرابات التي ولّدتها الحرب، في المنطقة والعالم، غيّرت حسابات ترمب وإسرائيل، حليفه الوحيد. المتفق عليه بين المحللين الأمريكيين قبل سواهم أن الرئيس ليست لديه فكرة عن كيفية إنهاء الحرب، لذا فهو يصعّدها غير مبالٍ بحلفاء أو أصدقاء أو حتى بالمعارضين لطهران. فأزمة الطاقة فرضت نفسها منذ الأسبوع الأول، وأقلقت الدول المنتجة والمستهلكة معًا، إلا أنه قلّل من أهميتها بادّعاء أنها موقتة أو القول إنها توفّر «أموالًا كثيرة» للمنتجين الأمريكيين. لا بدّ أن مستشاريه نبّهوه الى أن هذه الأزمة أفسدت الحرب وقضيتها، لكن البنتاجون يعرض له يوميًا قوائم أهداف دُمّرت ويُفترض- بالمنطق العسكري- أن تُترجم بقبول طهران «شروط الاستسلام»، لكن هذا المنطق لا يُصرف في أيديولوجية الملالي. أمّا ترمب فوضع حربه على إيران في السياق التاريخي لحروب أمريكا التي انتهت بالاستسلام (ألمانيا النازية واليابان)، أو بسقوط الأنظمة (العراق وأفغانستان).
اختار ترمب لخطابه مطلع الشهر الثاني للحرب توقيتاً ليلياً بعد إقفال أسواق الأسهم والنفط على شيء من التهدئة. قبل ذلك، أطلق مواقف أوحت للعالم بأنه يستعدّ لإنهاء الحرب، بشكل أو بآخر، إلا أنه جدّد تصميمه على حسمها عسكريًا، متوعّدًا إيران بأسبوعين أو ثلاثة من القصف الشديد «لاستكمال الأهداف». لماذا؟ لأنه لم يتلقَّ الإشارة التي يتوقعها ويريدها من الاتصالات التي تُجرى مع إيران عبر الوسطاء الباكستانيين. كان ترمب استجاب لهؤلاء فوافق على التفاوض لكن «من دون وقف إطلاق النار»، فمدّد إنذاره الأول لفتح مضيق هرمز من يومين إلى خمسة ثم إلى عشرة أيام وإلا فأنه سيأمر بـ «محو» محطات الكهرباء ومنشآت الطاقة. ترافق ذلك مع ارسال آلاف من الجنود الأمريكيين والتهديد بالاستيلاء على جزيرة خرج. ولما تعثّر التفاوض بين الشروط الـ 15 الأمريكية والشروط الخمسة الإيرانية، أصبح الإنذار أكثر وضوحًا: الإيرانيون مخيّرون بين قبول الشروط الأمريكية أو تعريض ثروتهم النفطية لخسائر.
برغم أن الرئيس الأمريكي عوّد العالم على تقلّباته فإنه هذه المرّة بدا مقتنعًا بأنه لا يستطيع التردّد أو التراجع، بل لا يستطيع أن يخسر طالما أنه لم يُهزم عسكريًا، وطالما أن الخطط التي أعدّها البنتاجون دلّته أخيرًا إلى نقطة ضعف إستراتيجية يمكن أن يضغط بها على طهران، فأصبح النفط عنوان تهديده النهائي لها حتى لو قاده الى إطالة الحرب وتعقيد أزمة الطاقة وتفرّعاتها ومضاعفة قلق الحلفاء والأصدقاء.
صحيح أن ترمب لوّح بالانسحاب من «الناتو»، في لحظة غضب من «حلفاء الأمس»، ليتركهم يتدبّرون أمورهم مع إيران في مضيق هرمز، لكن الانكفاء من دون إعلان «النصر» سيكون بمثابة انتقام أمريكا من عجزها عن كسر «عقدة هرمز» وهروب من مسؤولية معالجة الفوضى التي أشاعتها حربه. فالتداعيات تناقض صورة ترمب وطريقة تفكيره، وتهزّ مكانة أمريكا لدى حلفائها في الخليج. عدا أن الانسحاب سيعني أن طهران هي التي أنهت الحرب وليس واشنطن، أو أنه يتيح لإيران نوعًا من «النصر» بفضل «ورقة هرمز»، والأهم أنه في حالٍ كهذه سيترك إيران جريحةً وموتورة ضد دول الخليج، ما ينذر بأن حربًا قد تلد أخرى.
من العوامل التي تثير القلق أكثر فأكثر أن الثلاثي (بنيامين نتنياهو وماركو روبيو وبيت هيغسيث) الذي هندس الحرب ولا يزال يشرف على مجرياتها لم يعد يخفي أنه ينفّذ إستراتيجية ذات دوافع دينية (صليبية وتوراتية) ضد نظام إيراني غطّى مشاريعه التوسعية بشعارات مذهبية. هذه الظلامية الأمريكية - الإسرائيلية التي تخيم على الحرب لم يضاهها سوى ظلامية النظام الإيراني الذي أقنع نفسه طوال عقود بأنه ساعٍ إلى النصر في حرب تطلّع إليها دائمًا. ومع خصمين بينهما ثارات، ومؤدلجين على هذا النحو، ينتفي الرهان على حلول تفاوضية وتتغلّب النزعة إلى ترك المنطقة في فوضى، ليتولّى آخرون سواء كانوا أوروبيين أو عربًا مسؤولية إصلاحها.
* ينشر بالتزامن مع موقع النهار العربي.