فإن طبقنا هذا المنظور على مخرجات الجمعيات الأهلية، على مختلف تخصصاتها بين الصحية والإنسانية والإسكانية، لوجدنا أن أعداد المستفيدين هي اللغة الطاغية على تقاريرها، بينما قد نجد طفلًا معاقًا من ضمن مئات المستفيدين من أقرانه قد سُجّل كمستفيد من مبادرة جمعية لتوزيع كراسٍ كهربائية، ولكن هل مدخل منزله مهيأ لاستخدام هذا الكرسي؟ وهل أسرته قد تلقت تدريبًا تأهيليًا على التعامل النفسي والاجتماعي معه؟ فلو أن تلك المبادرة كانت على هيئة برنامج شامل، وبشراكات مع بقية الجمعيات الإنسانية والإسكانية المرتبطة بحالة هذا الطفل المعاق، وكانت دراسة حالته مرة واحدة تظهر لدى بقية الجمعيات في ملف إلكتروني موحد دون الحاجة لتسجيله في كل جمعية على حدة، لكان مستقبل هذا الطفل أنه منتج لوطنه بمبادرات وأفكار، نتاجها الكمي أكبر بكثير من طفل معاق حصل على كرسي كهربائي فقط دون حلول شاملة لما حوله. إذ أتذكر حالة شاب معاق من أطرافه الأربعة قابلته في إحدى شركات الاستثمار الاجتماعي، وتبين لي أنه مدير التطوير والابتكار، وأن مرتبه الشهري مرتفع جدًا رغم أنه معاق منذ طفولته، وهنا تظهر نتيجة الكم الكيفي للتعامل معه.
قد تُلخّص جذور مشكلة تركيز الجمعيات الأهلية على الكم فقط، أنها قد تؤسس بحماس وأفكار طموحة من الأعضاء المؤسسين، ولكنهم لم يركزوا على مصطلح «حوكمة مجالس الإدارة»، فتجد أن أعضاء مجلس إدارة لجمعية لسقيا الماء هم تقريبًا نفس الأعضاء لجمعية التوحد مثلًا، فتكون الأفكار مكررة، وعلاقاتهم مع الجهات المانحة هي نفسها، بل إن الجهات المانحة، سواء كانت منصات أم مؤسسات أم أفرادًا، تميل أكثر لدعم المبادرات ذات العدد الأكبر من المستفيدين دون النظر لكيفية تأثير هذا الدعم، مما يجعل تنمية الموارد المالية بالجمعية تلتفت للكم لتبهر المانح، ولا تنشغل بالكم الكيفي.
بينما في المقابل، ولحل هذه الإشكالية، نجد أن المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي قد أقر تعديلات نوعية على اللائحة التنفيذية لنظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية، شملت إتاحة تعيين أعضاء من خارج الجمعية العمومية، مع السماح بتعيين غير السعوديين في مجالس الإدارات والأمناء، بما يعزز استقطاب الكفاءات، ونقل الخبرات، ودعم أثر القطاع غير الربحي. وهذه التعديلات تجعل الجمعيات في غنى عن تكرار واستنساخ تجارب الكم من المستفيدين لزيادة الحصول على الدعم المالي، فالباب مفتوح على مصراعيه أمامكم للتركيز على (الكم الكيفي يا جمعياتنا الأهلية).