(وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)، النفس البشرية ثمينة جدًا في كل الأديان، فالإنسان هو محور الحياة على الأرض، لذلك كان إنقاذ النفس من الموت العمل الأسمى والأعظم.

عام 1963، أُنشئت لجنة الإنعاش القلبي الرئوي التابعة لجمعية القلب الأمريكية، وفي العام نفسه أيدت جمعية القلب رسميًا الإنعاش القلبي الرئوي في مايو 1966 وضعت معايير موحدة للتدريب والأداء للإنعاش القلبي الرئوي وأدرج الإنعاش القلبي الرئوي ضمن نطاق الخدمات الصحية بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1966.

الإنعاش القلبي الرئوي بدأ في السعودية بتدريس طلبة كلية الطب بجامعة الملك سعود بالرياض نظريًّا مبادئ الإنعاش القلبي الرئوي في عام 1979، تم تدريب بعض الأطباء عن طريق حضور دورات للحصول على شهادة مدرب في الإسعافات الأولية لإنقاذ الحياة، واستمر التعاون بين جمعية القلب الأمريكية وكلية الطب حتى تأسيس جمعية القلب السعودية عام 1987، ومن ثم إنشاء اللجنة الوطنية للإنعاش القلبي الرئوي عام 1999 تحت مظلة جمعية القلب السعودية. ومن هنا انتشرت مراكز الإنعاش القلبي الرئوي التدريبية في أنحاء المملكة، ويعتبر الحصول على شهادة الإنعاش القلبي الرئوي ضرورة لكل ممارس صحي لتجديد التسجيل في الهيئة السعودية والحصول على رخصة مزاولة المهنة.

قرار الإنعاش هو القرار الأول والهدف الأكبر لكل طبيب وممارس صحي، ولكن أحيانًا من أجل الإنسان ذاته لا يكون الخيار الأفضل، من أجل إيماننا أن الهدف من الحياة هو أن يعيش الإنسان في أفضل صورة، تمكنه من ممارسة مهام الحياة من تنفس وحركة وإدراك، فجودة الحياة أهم من الحياة نفسها، كم مرة سأل الطبيب نفسه: هل يجب عليّ إنعاش طفل ولد دون أنسجة دماغ؟ هل سأكون آثمًا إن لم أقم بتنبيب القصبة الهوائية لطفل مولود بتشوهات شديدة تستحيل معها الحياة؟ أو سأكون مذنبًا إن لم أبدأ أدوية تحفيز ضغط الدم لمريض تمّ تشخيصه كميتٍ دماغي؟ كما أن هناك ثوابت لبدء إنعاش النفس، هناك معايير للتوقف عن إنعاشها، لا خيار للأهل في ذلك حيث يقوم ثلاث استشاريين بدراسة الحالة، ويتمّ اتخاذ قرار عدم الإنعاش إن كان الإنسان مصابًا بمرض لا يُرجى برؤه، ولكن إخبار الأهل ضرورة ليكونوا على دراية تامة بذلك. قول هذا أسهل من فعله على أرض الواقع، بالذات لو كانت عائلة المريض لم تستوعب بعد الوضع الصحي لمريضهم. قرار عدم الإنعاش يتم دراسته وليس قرارًا عشوائيا، بل له معايير طبية ومراجع دينية، إذا لم يكن هناك طائل من إنعاش المريض فلا بأس في التوقف عن إنعاشه، تعذيب المريض بلا جدوى وترك مريض آخر يُرجى برؤه يعاني ولا يجد سريرًا، يجعل من الإنعاش جريمة في حق المريضين وأهلهما.

لن يستوعب المريض أو أهله عدم المضي قدمًا في الإنعاش ما داموا يجهلون الحالة، لذلك يحتاج أهالي المرضى وقتًا أطول مع الطبيب المعالج بوجود إخصائي نفسي، فالإخبار بأمرٍ محزن يحتاج إلى مهارة وإحساس عال ونفس طويل. إذا تقبل الأهل الفكرة واستوعبوها فلربما يُناقش معهم أمر التبرع بالأعضاء بالذات في حالات الموت الدماغي ليمنح مريضهم حياة أفضل لمرضى آخرين، ولنتذكر دائمًا أن هناك فرقًا بين الإنعاش المتقدم والعلاج التلطيفي، حينما يتوقف الأول يستمر الثاني حتى آخر نفس.