تحت عنوان (الفرص الاقتصادية للعمل المناخي) اختتمت يوم الجمعة الماضي أعمال قمة المناخ التي ضمّت 44 دولة من ضمنها السعودية، وكانت الرسالة الكبيرة هي المزيد من الاستثمارات نحو تبنّي إنتاج الطاقة من مصادر متجددة ونظيفة، غير أن الأصدقاء الأوروبيين والأمريكيين اتّسموا بالحنق الشديد على الكربون في كلماتهم، وكأن الكربون هو العدو اللدود الذي يجب أن نزيله من كوكبنا. والحق يقال أن كلمة مبعوث الرئيس الأمريكي للمناخ السيد جون كيري جسّدت هذه الظرافة في الموقف الغربي، حيث قال نصاً «حتى لو وصلنا إلى الحياد الكربوني، إلا أننا يجب أن نزيل ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي» وهو من الناحية العلمية غير صحيح وغير ممكن على الإطلاق. ولكن ما يحسب لإدارة الرئيس بايدن هي أنها جمعت كلمة العالم على أهمية استخدام البدائل النظيفة ورصد الميزانيات لحين موعد مراجعة الخطط الدولية في مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي في جلاسكو COP26 نوفمبر المقبل.

وعلى الرغم من أن التوجه الدولي في هذا العقد واضح الملامح، إلا أنني أتوقع بروز ظاهرة (الكربونوفوبيا) على غرار الاستهلاك السياسي للإسلاموفوبيا لتجريم الكربون وكل منتجاته.

ما يهمنا فهمه هو أن العالم متجه لضخ أكثر من 3.5 تريليونات دولار حتى العام 2030 أي بمعدل سنوي 350 مليار دولار في بناء معامل ومصانع وشبكات الطاقة الذكية، وستكون معظمها في مشاريع طاقة الرياح والطاقة المتجددة بما يمثل 77 % من هذه القيمة أي 2700 مليار دولار على مدى السنوات العشر القادمة.

وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط التي تضم دول الخليج ومصر والعراق وحتى إيران، فإن الفرص مواتية لخلق اقتصادات جديدة للطاقة بأسعار منخفضة وكلفة تشغيل وصيانة أقل بكثير مما ستكون عليه في أوروبا وأمريكا تحديداً. أما الفارق فسيكون في صالح الدول الأكثر استعداداً من ناحية البنية التحتية وتوفر الملاءة المالية بما لا يضغط على الاقتصاد الوطني، لتسريع فرصة هذه النقلة المنشودة لإنشاء اقتصاد الطاقة النظيفة.

سياسياً، دول الخليج وتحديداً السعودية والإمارات وقطر لديها الفرصة الأكبر من ناحية كفاءة الاقتصاد وقابلية مصانعها وشبكاتها لاستيعاب هذه النقلة. ولهذا أعلنت وزارة الطاقة السعودية أنها ستنضم لتحالف الحياد الكربوني للدول المنتجة للطاقة الذي من المقرر أن يضم كلاً من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والنرويج وقطر. فيما أعتقد أنه سيضم لاحقاً دولاً أكثر. وهذه الدول تنتج النفط والغاز ولديها رؤية في الوصول إلى الحياد الصفري للكربون، ويعني أن تكون كمية غازات الكربون المنبعثة مساوية لكمية غازات الكربون الملتقطة سواءً بتقنيات الالتقاط الهندسية أو الكيميائية أو حتى الطبيعية بواسطة الأشجار.

وبنظرة سريعة على مستوى العالم، سنجد أن المؤثرات التالية هي ما سوف تحدد كيفية هذا التوجه نحو تعظيم إسهام مصادر الطاقة المتجددة في الاقتصادات المحلية.

ففي الصين تزدهر حالياً تقنيات تخزين الطاقة باستخدام البطاريات الضخمة ولدى الصين حالياً قدرة تخزين للطاقة هي أكثر من 40 قيقا واط، وخطة لتجاوز 61 قيقا واط في 2025م، وتمثل حالياً 65 % من القدرة العالمية من إنتاج بطاريات التخزين. كل هذا سوف يسّرع من تطوير الصين لتقنيات التخزين أكثر وأكثر، ويخفض قيمة أسعار تلك البطاريات لفتح الباب نحو انتشارها عالمياً.

أما في الهند، فالحكومة الهندية قد أعلنت أنه بحلول 2030م ستشكل الطاقة المتجددة 72 % من مصادر الطاقة في الهند ممثلة بطاقة الرياح والطاقة الشمسية.

وفي الشرق الأوسط، تضخ السعودية استثمارات هائلة لبناء أنظمة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتوليد أكثر من 60 قيقا واط من الطاقة من مصادر متجددة تمثل 50 % من احتياج المملكة في 2030. وكذلك الإمارات وقطر على خلاف إيران التي تعاني من مشكلات سياسية وهدر للمال العام في سبيل دعم ميليشيات عسكرية خارج حدودها لإثارة القلاقل في المنطقة، وهو أسلوب قديم لن يساعد إيران على التطوّر والنهوض إلا إذا غيّرت إيران سياساتها وانضمت إلى مصاف الدول المتحضّرة.

أما أوروبا فستضخ حوالي 12 مليار دولار سنوياً حتى 2030 في مجال بطاريات التخزين لتقفز قدرتها التخزينية من 3 قيقا واط إلى 70 قيقا واط بنهاية العقد الجاري.

ولن تتوانى أمريكا اللاتينية أيضاً عن ضخ المليارات مدفوعة بنمو إجمالي الناتج المحلي المتوقع مع زيادة الطلب على الكهرباء والإنتاج الصناعي والذي يقدّر أن يتجاوز 3 % سنوياً وصولاً إلى 2030.

وفي أمريكا الشمالية، تشكّل الأسعار العالية للطاقة فرصة مواتية للدول للاستثمار في مجالات خدمات الطاقة وبناء معامل الطاقة النظيفة، حيث تخطط الولايات المتحددة للوصول بنسبة المصادر المتجددة إلى 50 % من إجمالي مصادرها للطاقة، بالإضافة إلى 21 % غاز و16 % طاقة نووية و11 % هيدروجين أخضر.

ومع هذا سيبقى النفط مصدراً مهماً ليس للطاقة فحسب، بل حتى للمنتجات الكيميائية والبلاستيكية ووسائل النقل الثقيلة حتى العام 2100 ما لم يقفز إلى الواجهة ابتكارٌ في مجال تحويل ماء البحر إلى وقود فيغير قواعد اللعبة.