جاء احتفال العالم، يوم السبت الماضي، باليوم العالمي للبيئة وهو يحمل في طياته مواصلة السعودية رحلة تميزها وتفوقها في هذا المضمار الحيوي الذي بات يحتل مرتبة الصدارة في سلم الاهتمامات الدولية، نسبة لما يسببه التدهور البيئي من مخاطر عديدة تؤرق صنّاع السياسات في العالم، وتشغل بال المهتمين، لأنها وصلت مستوى تهديد العالم بالفناء والزوال، بعد أن بلغ التردي البيئي مستوى غير مسبوق، كنتيجة حتمية لأنانية إنسان العصر الحديث، وقصر نظره، وعدم رؤيته الصائبة لمستقبل الحياة فوق ظهر هذا الكوكب الذي استخلفنا الله تعالى فيه وأمرنا بإعماره وأمدنا فيه بكل مقومات الحياة والبقاء.

هذا التميز تجلى بوضوح عندما تبوأت المملكة المركز الأول في مؤشر «عدم فقدان الغطاء الشجري» ومؤشر «الأرض الرطبة»، متفوقة على 180 دولة، كما احتلت المركز الثامن على مستوى العالم في مؤشر «مواطن الأجناس» المتعلق بالحفاظ على البيئات الطبيعية وحمايتها ومنع انقراض الأنواع النادرة من الحيوانات، متفوقة أيضا على 172 دولة من دول العالم.

النجاح السعودي لم يفاجئ أحدا، فهو في الحقيقة أتى نتيجة لجهد متواصل ظلت القيادة تبذله خلال السنوات الماضية، وسبقت الآخرين في إدراك حقيقة المخاطر التي تحدق بمستقبل الحياة البشرية نتيجة لظاهرة التصحر وتراجع المساحات الخضراء بسبب التجاوزات العديدة التي وقعت في معظم دول العالم خلال الفترة الماضية، وتغليب التمدد العمراني على حساب الرقعة الزراعية، مما دفع البعض إلى ارتكاب حماقة إزالة الغابات ومناطق الغطاء النباتي لإيجاد مساحات إضافية تستوعب الزيادة السكانية.

ولأن المملكة اهتدت بهدي الإسلام منذ تأسيسها وجعلت القرآن الكريم والسنة النبوية دستورا ومصدرا لتشريعها، فقد امتثلت لقول الله سبحانه وتعالى (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين) وقول نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها). وجاءت المادة (32) من نظام الحكم لتؤكد مسؤولية الدولة عن المحافظة على البيئة والعناية بها وحمايتها وتطويرها ومنع التلوث.

هذا الاهتمام لم ينبع من فراغ، إنما إدراكا للعواقب التي تترتب على الإخلال بالبيئة، والأمراض المميتة التي يسببها، ويكفي للدلالة على ذلك ما أعلنته منظمة الصحة العالمية بأن 5 ملايين طفل يموتون سنويا بسبب أمراض لها علاقة بالتلوث، وأن ثلث الأمراض في العالم سببها عوامل بيئية.

لكل المعطيات السابقة تم الاهتمام بمكونات البيئة وعناصرها الخمسة، النبات والحيوان والماء والهواء والتربة. والسعي الجاد لتحقيق التنمية الاقتصادية والنمو بوسائل آمنة ومستدامة وغير مكلفة. هذه العناية تضاعفت عقب تولي الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله - مقاليد الحكم، حيث تم الإعلان في 21 يناير 2016 عن تنفيذ مبادرة برنامج الملك سلمان للتوعية البيئية والتنمية المستدامة. كما خصّصت رؤية المملكة 2030 مساحة كبيرة لقضايا البيئة والمناخ وأولتهما اهتماما كبيرا في محور «المجتمع الحيوي»، ووجّهت بإنشاء محميات طبيعية تتمتع بأعلى درجات الحماية، وذلك للحفاظ على الحياة الفطرية وإنمائها، إضافة إلى رفع نسبة المناطق المحمية إلى أكثر من 30% من مساحة البلاد.

ويتجلى التميز السعودي في الاهتمام بقضايا البيئة في أنها لم تقتصر ذلك على واقعها الداخلي فقط، بل امتد ليشمل منطقة الشرق الأوسط والعالم بأكمله. حيث أعلن ولي العهد عن مبادرتي «السعودية الخضراء»، و«الشرق الأوسط الأخضر»، اللتان تهدفان لوضع حلول ناجزة للمشكلات التي تعاني منها منطقة الشرق الأوسط ككل، وترسيخ مفاهيم التنمية المستدامة التي تضمن الاستخدام الأمثل للموارد، وعدم استنزاف الطاقات الاقتصادية، وتجديدها والمحافظة عليها. وتضمنت زراعة 10 مليارات شجرة داخل المملكة و40 مليار شجرة على مستوى الشرق الأوسط.

وخلال توليها رئاسة قمة مجموعة العشرين في دورتها الماضية طالبت المملكة بتبني مفاهيم الاقتصاد الدائري للكربون، وأطلقت مبادرات دولية متعددة للحد من تدهور الأراضي وحماية الشُعب المرجانية، وإيجاد حلول لقضية الاحتباس الحراري وقضايا التنمية المتوازنة وعدم استئثار الدول الكبرى بالقسم الأكبر من الثروات. كما دعت إلى الاتفاق على مبادئ عامة تضمن استمرار الحياة على هذا الكوكب الذي نتشارك جميعا العيش فيه.

تلك النجاحات والجهود المتواصلة، استوجبت إشادة قادة العالم، لذلك جاءت مشاركة المملكة مختلفة في قمة المناخ العالمية التي عقدت افتراضيا خلال الفترة الماضية بدعوة من الرئيس الأمريكي جو بايدن ومشاركة 192 دولة من مختلف أرجاء العالم تحت شعار «استعدنا أرضنا»، حيث ترأس وفد المملكة في القمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله - الذي ألقى كلمة ضافية احتفت بها إدارة القمة والوفود المشاركة.

مما يؤسف له أن الدول التي توصف بأنها متقدمة والتي ينعم مواطنوها بثمار النهضة الصناعية والتطور الاقتصادي هي السبب الأول في تردي أحوال البيئة على مستوى العالم، وها هي اليوم تدفع ثمن نظرتها القاصرة عندما اهتمت بزيادة ثرواتها وتنمية اقتصاداتها ومواردها، ولم تكترث لعوامل السلامة البيئية، ولم تلتفت لأجراس الإنذار التي أطلقتها الجهات المختصة، وأصمّت أذنيها عن دعوات المهتمين بالمناخ وعناصر الطبيعة، فكان المقابل هو ارتفاع معدلات التلوث، وتزايد الأعاصير والبراكين، والأمراض الحديثة التي تفتك بسكانها وتسببت في تقليل معدلات أعمارهم.

هذا الفشل الكبير تجنبته المملكة وعبر عنه ولي العهد بقوله «نرفض الاختيار المضلل بين الحفاظ على الاقتصاد أو حماية البيئة، ونؤمن أن العمل لمكافحة التغير المناخي يعزز القدرة التنافسية، ويطلق شرارة الابتكار، ويخلق الملايين من الوظائف، ويطالب اليوم الجيل الصاعد في المملكة وفي العالم، بمستقبل أنظف وأكثر استدامة، ونحن مدينون لهم بتقديم ذلك». وهي كلمات أحسب صادقا أن التاريخ سوف يسطرها بأحرف من نور.