نخطئ حين نمنح الموسيقى مكانة «الثقافة»، وكأنها أصل يُبنى عليه، لا انعكاس يُقرأ من خلاله. الحقيقة أبسط وأقسى: الموسيقى ليست ثقافة، بل نتيجة مباشرة لحالة الإنسان، لا تُوسس وعيا، بل تكشف مستواه، لا تقود الذوق، بل تفضحه.
نحب أن نحمّل الموسيقى مسؤولية الانحدار، لأنها شماعة مريحة. نقول «الأغاني أفسدت الذوق»، بينما الذوق تغيّر أولًا، ثم جاءت الموسيقى لتُرضيه. الفن بطبيعته تابع، يتجه حيث يوجد الجمهور، لا يقوده. لذلك، حين يطلب الناس الترفيه السريع، تُنتج لهم موسيقى سريعة، بلا رؤية، بلا أثر عميق.
الثقافة تُبنى على الفكر، على الأسئلة، على إنتاج المعنى. أما الموسيقى، فهي مجرد أداة تعبير عن هذا المعنى إن وُجد، وإن غاب، تحولت إلى ضجيج منسّق، لا أكثر. لهذا نرى اليوم موسيقى تُستهلك كما تُستهلك الوجبات السريعة: سريعة، جذابة، لكنها بلا قيمة غذائية حقيقية.
إن أردت أن تفهم الموسيقى، انظر إلى الإنسان، وإن أردت أن تغيّرها... غيّر من يصنعه ويستمع إليه.
أخيرًا.. الموسيقى ليست ثقافة؛ إنما نتيجة، دورها الطبيعي هو التسلية، والتعبير، باختصار.. هي مرآة، لا مُشكّل.