الحديث عن الخصخصة باعتبارها سياسة اقتصادية في إدارة الموارد العينية والبشرية لمجتمع ما، حديث ذو شجون. بداية، وإذا كان الشيء يعرف بضده فإن الخصخصة أتت للتغلب على الصعوبات الإدارية والمالية والتنموية عموما في إدارة الموارد والأصول العينية للمجتمع. ومن التجربة الإنسانية في عدد من المجتمعات والدول، وفي فترات وسياقات اجتماعية واقتصادية مختلفة، وجدت الخصخصة طريقها إلى المجتمعات بمستويات مختلفة من النجاح تارة ومن الفشل تارة أخرى.

من الواضح أن الخصخصة تقع في صلب عملية التحول الوطني ورؤية 2030 الطموحة، وقد بدت طلائع هذه الخصخصة بادية للعيان، وقد أتت أكلها في أكثر من موضع. غير أن تبني الخصخصة على نطاق واسع وبوتيرة أسرع من استيعاب المجتمع لها، في مجتمعات اعتادت تنظيما مركزيا في الإدارة، من شأنه أن يجابه بصعوبات نتيجة لاختلاف أسلوب إدارة الموارد والأفراد بين الخصخصة والمركزية. بداية من المعروف أن الأسلوب المركزي في الإدارة يعتمد على بيروقراطية عتيدة، وأجهزة إدارية متعددة، وسلاسل صنع قرارات تنموية، على أكثر من صعيد ضمن إطار زمني طويل نسبيا، وهو ما يسم السياسات التنموية المركزية.

على العكس من ذلك، فإن خصخصة الإدارة تطرح أسلوبا مغايرا تماما للإدارة المركزية يتسم بقصر خطوط الإنتاج، وفي زمن أقصر، وبعدد أقل من الموظفين وهكذا. وعلى الرغم من أن التخطيط المركزي والخصخصة يضع كل منهما جودة المنتج التنموي، أيا كان نوعه، في رأس قائمة أولوياته، إلا أن أسلوب تحقيق ذلك يختلف جذريا بينهما. ولأن إدارة الموارد هي تجربة إنسانية في المقام الأول فإنها تتأثر بشدة بالوسط الاجتماعي والاقتصادي الذي تمارس فيه. ومن واقع التجارب المتراكمة في المملكة عبر عدة عقود يمكن التطرق إلى بعض أوجهها في عجالة خاطفة.


يعتبر كل من الإسكان والتعليم والصحة ثلاث ركائز تنموية أساسية لأي مجتمع. ففي مجال الإسكان وبفضل سياسة الدعم الحكومي الذي وفره صندوق التنمية العقارية، ازدهر القطاع السكني في المملكة إلى درجة أصبح فيها ما يعرف بـ«الفيلا» هو نوع البناء السائد في بناء المساكن في المملكة. ومع الانفجار السكاني المتزايد، وزيادة الطلب على المساكن وتوسع الإنفاق في الصرف الحكومي على مشاريع تنموية أخرى، دخل قطاع الإسكان في مرحلة الخصخصة، وهنا تغير المنتج تماما. فنظرا لسيطرة قوى السوق على صناعة البناء بدءا من تملك الأرض، إلى سلاسل إنتاج البناء، وصولا إلى ما يعرف بـ«تسليم المفتاح» أصبح المسكن منتجا اقتصاديا بالدرجة الأولى، وهنا أصبحت الشقق والدوبلكسات والبيوت الجاهزة تتناسل كالفطر. غير أنه ولأسباب متعددة أصبح السكن وتوفيره من قبل الدولة قطاعا مرتبطا بالعقار، وهو ما سمح للقطاع الخاص ممثلا في ما أصبح يعرف بـ«التطوير العقاري» أن يكون قوة فاعلة في قطاع السكن اقتصاديا وعمرانيا.

وفي قطاع التعليم يتضح الفارق بين الجامعات الحكومية والجامعات الخاصة، ففي حين تدار الجامعات الحكومية بموجب تقاليد بيروقراطية عتيدة، أصبحت سمة واضحة لها، فإن الجامعات الخاصة تدار بأقل عدد من الموارد البشرية ضمن إجراءات إدارية قليلة ومدى زمني أقصر. وعلى الرغم من البون الشاسع في الإمكانات والموارد بين الجامعات الحكومية والجامعات الخاصة، إلا أن هذه الأخيرة في فترات قصيرة قد أثبتت ذاتها، وأصبحت تنافس مثيلاتها الحكومية، إن لم تتفوق عليها أحيانا.

ويبقى قطاع الصحة المجال الأكثر تأثرا بسياسة الخصخصة نظرا لحيوية القطاع الصحي والحاجة الماسة له من قبل الكل بعيدا عن أي اعتبارات اقتصادية أو سكانية أخرى. وإلى وقت قريب كانت المستشفيات والمراكز الصحية وكل مرافق القطاع الصحي تدار ضمن نظام حكومي مركزي موحد. غير أن بطء إجراءات المستشفيات والضغط المتنامي عليها جعل من تخصيص القطاع الصحي خيارا ملحا. إن نقل إدارة الصحة بشكل عام للقطاع الخاص سيرافقه حتما صعوبات هيكلية في تسيير شؤون القطاع. وبطبيعة الحال فإن هذه الصعوبات ليست خافية على المسؤولين، غير أنها تستلزم حلولا تطبيقية عاجلة لكي لا تتفاقم مشكلة القطاع الصحي وتصبح أزماته مستعصية على الحل وهو ما أتت الخصخصة أصلا لمحاربته.