فمتى ما سمحنا للأفراد أو الجماعات بالتصنيف، سندخل في متاهات لا حد لها، ونعيش واقعًا لن نرضى عنه ولن نستطيع العيش فيه!
لذا كان الاحتكام لولي الأمر وللقيادة العليا هو الفيصل في ذلك، مع منح مساحة لكل ثقافة أن تعيش عالمها دون الضرر أو المساس بحرية وحياة الآخرين!
لست هنا اليوم، لأقارن بين الممارسات والتصنيفات وسطوة التيارات والعادات خلال عقود من الزمن في مجتمعاتنا، ولست هنا لأنصب محكمة وأترافع عن هذا او ذاك، كل هذا انتهى، وأصبحت الهوية واضحة والحدود معلومة والقوانين موجودة، فأصبح الكل يعرف ما له وما عليه أفرادًا ومؤسسات، وأصبحنا نعلم متى نفرض ثقافتنا أو فكرنا، ومتى نحتفظ به لأنفسنا دون أن نلزم به أحدا.
ما يهمنا في حاضرنا الذي نعيشه، هو كيف نعلم الجيل الجديد التحكم بنظرته للأمور ومعرفة ما يجب وما لا يجب، من خلال قناعات ورضا وسلام داخلي، دون إكراه أو استتار خلف ستائر أفكار مجتمعية تحجب الممارسات الخفية!
أغبط كثيرًا الجيل الحالي وما يعيشه، وفي نفس الوقت أخاف عليه من نفسه قبل أي أحد!
في فترة مضت، كنا مسيرين في كثير من أمورنا، دون رأي منا أو استفسار، حيث كانت سطوة الأعراف الاجتماعية على كل شيء حولنا لا ينتظر منا إلا السمع والطاعة دون تقبل لاختلافات في التفكير الناتجة عن ثفافات بيئية متباينة وأجيال متعاقبة واختلافات مناسيب الوعي بين الأفراد والجماعات، سطوة الفكر المجتمعي السائد على أجيال مضت أجبرته على ممارسات ومنهجيات اجتماعية واحدة حرمت عليه العيش الهانئ وضيقت عليه الفرص، وجعلته مثار أسئلة المنتديات والمؤتمرات العالمية، وتندر وسائل الإعلام المغرضة في التصيد علينا بحجة الحريات والحقوق وباقي القائمة، التي يراد لنا فيها خير في ظاهر يسكن كوامنه حقد وشر دفين!
اليوم نحن نعيش الحرية بأجمل صورها، حيث أصبحت الثقافة المجتمعية التي تتكون في رحم المرحلة الحالية تتغذى على الوسطية والتقبل المبني على احترام الاختلافات دون تطرف في التشدد أو الانفتاح، فأصبح حتمًا علينا في أن نتقن كيفية استثمار الحقوق الممنوحة والحريات الموزونة في إيجاد بيئة تفاعلية تتناغم مع نمط الحياة الحاضر التي نبتعد بها عن دوائر الظلام والهلاك والتخلف بكل أنواعه لنعيش واقعًا هادئا يأخذنا إلى مستقبل نستحقه.
أصبح من المهم جدًا في مشهد اليوم اغتنام الفرص الجديدة وتطويرها للأفضل، ومنحها التشاركية والتعددية والسماح بالاختلاف، والسعي نحو الأفضل لنا جميعًا دون مساس بملكيات أحد!
لعل أكثر ما يشرح فكرتي هو وضع المرأة وتمكينها بين الأمس واليوم، حيث كانت حقوقها من أكثر المحرمات المجتمعية التي كسرت المرحلة الحالية أصفادها لتحررها من سجن العادات والتقاليد، وتطلق سراحها لتتحرك بحرية داخل المشهد الوطني والمجتمعي وسط ضوابط من شرع وقانون يضمن لها حرية القرار والعمل والتميز والإبداع وسط سياج من قوانين تحميها من اعتداء على حرية كفلها لها الشرع.
ومع هذا نجد أن علو نجم المرأة في سماء المرحلة الحالية وما تقوم به من تفاعلات، ما زال يقلق البعض ممن ما زالت نظرتهم للمرأة أن قراراتها وعملها وتفكيرها لا يمكن أن يبلغ التمام من غير رجل يعرف ما يصلح لها وما يضرها..! ليس هذا فقط، بل إن هناك من النساء من أساءت فهم معنى التمكين والحرية وحق المرأة في الاستقلالية الهادفة إلى عطاء إيجابي يصب في مصلحة الوطن أولا ثم المجتمع والمرأة نفسها، فانطلقت بحرية لا سقف لها ولا أطر تمنعها عن الخروج خارج إطار المقبول شرعًا وقانونًا ومجتمعًا، وللأسف امتلأت مواقع التواصل بغث هؤلاء وهؤلاء الذين يفسدون بعفن مراهقتهم الفكرية أو تشددها جمال المشهد العام الذي تعبنا كوطن وقيادة وشعب واع لرسم تفاصيله الرائعة التي نعيشها اليوم واقعًا.
ومع ذلك وفي مقابل الغث هناك جهود جبارة نرفع لها قبعات التقدير ونشهد لها بالتميز ونمنحها شهادات نجاح بامتياز، أقصد بذلك الجهات الرسمية والرقابية وذلك لسرعة تفاعلهم مع هذه السلبيات بتجاوزاتها ووأدها في مهدها كي لا يستفحل ضررها ويتفشى في المجتمع ولكي يفهم من أضاع بوصلة الحكمة من الانفتاح والتغير إلى أين يتجه فيصحح مساره.
برأي المتواضع من خلال نظرة اجتماعية، أرى أننا لا بد أن نثق بفطرتنا وبهويتنا النقية، ونراهن ونثق أن شبابنا ومجتمعنا بكل أطيافه يعرف من هو وما يجب أن يكون عليه ليحقق الهدف الذي نسعى لتحقيقه كلنا كسعوديين.
لذلك فلا بد من الحزم تارة، وغض الطرف عن الأخطاء غير المقصودة تارة أخرى، لا بد من حوار هادئ يساعد شبابنا أن يفهم ويقرر ما يفعل!
ويجب علينا أن نكون يدًا واحدة مع الجهات الرسمية، فنحن من يرى أسرته وزملاءه ويشاهد الأمر من بدايته ويعرف عن تبعاته، فجميل أن نحتوى الخطأ ونصلحه قبل أن يصل الأمر لجهات عليا وحينها سنندم كثيرًا أن فرطنا في فرص كانت متاحة لنا!
نحن نعيش مرحلة تحولات ليست بالسهلة، لتعوض ما فاتنا، مرحلة تذهب بنا لآفاق أرحب تسع طموحاتنا وتحقق كل الغايات المنشودة.. فليتنا نكون عجلات دافعة لا مطبات اصطناعية مثبطة.