قديما وضع العرب شروطا وضوابط للمناظرات والحوارات، واشتهر في هذا الباب ما كتبه الجاحظ والراغب الأصفهاني، بل إن كتب علم الكلام كلها بنيت على الحوار والجدل بين الخصوم في أدق أمور العقيدة.

وقد بنيت آداب المناظرة بين العلماء إجمالا على ثلاث قواعد كبرى هي «نبذ التعصب، والبحث عن الحقيقة بتجرد وموضوعية، واعتماد لغة الحجج والبراهين لا القدح الذاتي أو محاسبة النوايا المبطنة، وقبول مبدأ القابلية للخطأ والتباس الحقيقة، فالله وحده هو المختص بالعلم اليقيني، ولا عصمة للبشر العاديين.

من يقرأ حوارات الفقهاء والمتكلمين والعلماء في الماضي، يستغرب سعة صدورهم ومرونتهم في الحكم والتقويم، وإحجامهم عن التكفير والتبديع.


والدليل على صحة كلامنا ما ورد في كتب «الملل والنحل والمذاهب والفرق»، من آراء تبدو لنا اليوم شاذة ومنفرة، في حين أن الأقدمين أوردوها دون اشمئزاز أو تجريح.

لنقرأ فقط كيف اختلف علماء العقيدة في الصفات الإلهية، وفي خلق القرآن، وأفعال العباد، وكيف اختلف الفقهاء في الأحكام الشرعية وأدلتها.

بل إن ما وصلنا من المذاهب العقدية والفقهية، ليس سوى القليل من اجتهادات الأقدمين، فكثير من الآراء قد اندثر، ومن الفرق قد اختفى، ولا تزال تعج بها الكتب التراثية.

ما نشهده اليوم مع الأسف هو تدني لغة الحوار وتراجع أخلاقيات النقاش، وشيوع التعصب، ورفض الرأي المخالف، حتى في الأمور البسيطة التي لا تتوقف عليها أحكام شرعية.

قبل سنوات حرم كتاب «ألف ليلة وليلة» في بعض البلدان العربية، بذريعة أنه يتضمن حكايات وقصصا تخدش الحياء والدين، مع أن الكتاب متوفر منذ عهود طويلة في كل المكتبات العامة والخاصة، وكان من مرتكزات الثقافة الشعبية المنتشرة.

وفي بلدان أخرى منعت كتب إمام التصوف محيي الدين بن عربي، بتهمة قوله بوحدة الوجود، رغم أن العلماء الأقدمين كانوا يطالعونه ويحاورونه دون رفض أو نبذ.

وإذا كان الكاتب المصري عبدالصبور شاهين قد تسبب في تكفير المفكر المصري المعروف نصر حامد أبوزيد في نقاشه لنظريته في تأويل الخطاب الديني، فإنه هو نفسه تعرض للتهمة نفسها في كتابه حول آدم ونشأة الإنسان.

هذه الأجواء المتعصبة قضت على أخلاقيات وقيم الحوار التي كانت لا تزال قائمة في بداية ومنتصف القرن العشرين، كما هو ظاهر في الجدل الذي فجره كتاب الفقيه الأزهري علي عبدالرازق «الإسلام وأصول الحكم»، أو كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين. ولا شك أن تدني ثقافة الحوار راجع إلى ضيق المعلومات، وغياب أخلاقيات الحوار العلمي، وتفاقم التعصب الأعمى الناتج عن الراديكالية الأيديولوجية والتطرف الديني.

إن مسار التنوير الفكري والاجتماعي المطلوب يبدأ من قبول رأي الآخر، وعدم التعصب للمواقف الذاتية، بحسب عبارة الإمام الشافعي الشهيرة «رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب»، وهو المعنى نفسه الذي عبر عنه الفيلسوف الفرنسي فولتير بقوله «لا أوافقك في قولك، لكني مستعد للتضحية بحياتي من أجل أن يكون لك الحق في قوله».