أثارت المعلومة التي سجلها «ابن بطوطة» في رحلته عن تقي الدين أبو العباس، المشهور بـ«ابن تيمية»، ردود فعل كثيرة من لدن المعلقين على الرحلة بكل لسان، خاصة منهم الذين كانوا يتتبعون يوميات الرحالة يوما عن يوم مقارنة مع ما كتب أو عرف خارج نطاق الرحلة، بحثا عما ينفي أو يؤكد مصداقية المعلومات الواردة في الرحلة.

كان مأخذ معظم المعلقين على الأساس الذي بنيت عليه «المعلومة» أن «ابن بطوطة» يحكي عن مشهد رآه بعين رأسه بدمشق على منبر في يوم من أيام رمضان عام 726 هـ، عندما كان «ابن تيمية» يحدث الناس من أعلى المنبر عن موضوع نزول الله إلى سماء الدنيا. أقول: كان المأخذ الأساس أن «ابن تيمية» كان في أثناء ذلك التاريخ، رمضان 726هـ، في السجن، ولم يكن ممكنا أن يراه «ابن بطوطة»، آنذاك أي في عام 726، الذي جعله كاتب الرحلة «ابن جُزَي» زمنا لذلك اللقاء.

وهكذا، فقد ثارت ثائرة كل الناس الذين أخذوا يسلكون كل مسلك، لتبرير ما ورد في «المعلومة» التي كانت على كل حال معلومة مهزوزة!!!. تعقيبي اليوم يرتكز، أولا وأخيرا، على صنيع الكاتب «ابن جُزَي» وهو يتحدث عن نشاط «ابن بطوطة» في دمشق عام 726 هـ، مهملا أو متناسيا زيارة الرحالة دمشق أيضا في 727 هـ. إن «ابن بطوطة» في «معلومته» عن «ابن تيمية» كان يتحدث عن زيارته دمشق عام 727 هـ، وليس عن زيارته الأولى 726 هـ، وهكذا نرى أن «ابن جزي» أهمل الحديث عن الزيارة الثانية للرحالة المغربي، وأبدلها خطأ بزيارة خيالية لـ«ابن بطوطة» لجنوب فارس: أصفهان وشيراز!!.

وكان الذي نبّهني إلى ذلك الخطأ الفادح، الذي وقع من الكاتب «ابن جزي»، هو وجود تأليف يتعلق بالحديث الشريف، مكتوب بخط «ابن بطوطة» نفسه عام 727هـ بدمشق في المدرسة العزيزية، نسخه لصديقه الشيخ علي السخاوي المالكي، الذي كان تعرّف عليه ضمن علماء دمشق!.

ذلك التأليف يحمل اسم «المفهم لما أشكل من تلخيص حديث مسلم» لأبي العباس أحمد بن عمر الأنصاري القرطبي، دفين الإسكندرية عام 656هـ - 1358م. فبمناسبة الزيارة الثانية التي قام بها «ابن بطوطة» لدمشق، حيث كانت له بها - كما نعلم - زوجة ستنجب ولدا، كان يبعث له الرحّالة من الهند بمساعدات مالية، وفي تلك المناسبة وجد من الوقت ما يسمح له بانتساخ بعض أجزاء «المفهم». فمع وجود «ابن بطوطة» في دمشق عام 727 هـ، هل هناك ما يمنع من حضوره بجامع دمشق مجلس «تقي الدين»، ونقله معلومة لم نقرأها في كتاب من الكتب التي تناولت حياة «ابن تيمية»؟!.

هذه «المعلومة» الفريدة والممكنة جدا تتلخص في أن والدة «ابن تيمية» تعرضت للملك الناصر، وشكت إليه، فأطلق سراحه إلى أن وقع منه مثل ذلك ثانية، وكنت إذ ذاك بدمشق، فحضرت مجلسه. ويفسر لنا قولة «ابن بطوطة» ثانية ما ورد في «الدرر الكامنة» من أن «ابن تيمية» عام 705هـ نزل من المنبر درجتين. فمع تأكدنا من أن «ابن بطوطة» كان بدمشق عام 727 هـ، ومع عدم ما ينفي تدخل والدته من أجل العفو عن هذا الرجل، الذي ظل ضيفا مستديما على السجون، هل لا يمكن أن نجعل من الرحلة مصدرا معاصرا شاهدا لوجود فترة سراح أخرى كان يتمتع فيها «ابن تيمية» بحريته، قبل أن يصدر الأمر في الأخير بتاريخ تاسع جمادى الآخرة عام 728 هـ = 25 أبريل 1328م بتجريده من كتبه وأدواته وقلمه، قبل أن يدركه أجله في السجن ليلة الاثنين 20 من ذي القعدة 728 هـ = 26 - 27 سبتمبر 1328م؟، بمعنى أن «ابن تيمية»، في أثناء زيارة «ابن بطوطة» الثانية لدمشق عام 727هـ، كان يتمتع بحريته، وأنه عاد إلى نشاطه. إن كل قراءاتي عن حياة «ابن تيمية» - رحمه الله - لم تمنعني من افتراض وجود «تقي الدين» خارج القضبان عند الزيارة الثانية لـ«ابن بطوطة» لمدينة دمشق، والشهادة معاصرة، ولا سيما أن تتبعنا لحياة الملك الناصر كحاكم كانت تحملنا على الاعتقاد بأنه كان يتبع مع «تقي الدين» سياسة «الساخن والبارد»، كما يقولون، مجاملة للمعارضين من جهة، واحتراما من جهة أخرى لأفكار العالم «ابن تيمية».

وحتى أحتكم إلى القراء، أحيلهم إلى النص الكامل لما ورد في رحلة «ابن بطوطة»، مع حرصي على التنبيه مرة أخرى إلى الزيارة الثانية التي أدمجها الكاتب «ابن جزي»، افتئاتا واعتسافا، في الزيارة الأولى، بل وعوّضها باختلاق رحلة أخرى في جنوب إيران، فسبب بذلك طائفة من المصاعب والمشكلات من كل حجم!!.

إن الذي أريد أن أقوله بوضوح، بعد وجود ما يثبت حضور «ابن بطوطة» بدمشق عام 727 هـ = 1327م، هو أن الرحالة المغربي يمسي معتبرا مصدرا معاصرا من مصادر الحديث عن «ابن تيمية»، وأنه لا يجوز لنا أن نهمل معلومات الرحلة، بل علينا أن نقرأها قراءة جديدة، انطلاقا مما قدمناه، وانتهاء إلى أن الهدف يبقى دائما هو البحث عن الحقيقة، والحقيقة وحدها.

* كاتب ومؤرخ مغربي «1921 - 2015».