أما أخوه الأكبر قليلا وبمجرد أن استلم أول مرتب، فذهب لوكالة السيارات، ليطلب أي سيارة جاهزة للتسليم بشكل «مستعجل»، حتى وإن كانت قيمتها تساوي مجموع رواتبه في عدة سنوات، وموديلها ولونها ومواصفاتها ليست، كما يحب أو بالأصح ليست كما يحتاج، فليس مهم ذلك، المهم أنه «سيلوي طارتها» بشكل عاجل وفوري، حتى إن هناك وكالات وبنوك قد فتحت أقساما خاصة بهذه الخدمة المستعجلة في «توهيق» العميل، وتوقيعه على أوراق مالية أو تجارية، تجعله نادما طوال حياته على تلك الساعات التي «استعجل» بها.
أما أخوهم الأكبر، فبالتأكيد أنه يزور صالة لبيع الفلل الجاهزة، لأنه لا يحب الانتظار، بل المستعجل طبعا، وكأنه يريد أن يشتري «شورت»، فبمجرد أن يجد فيلا بحجم فيلا صغيرا، لوجدناه يوقع أوراقا كتب عليها حروفا مجهرية «بعدد رمل الصحاري والمطر أكثر وأكثر»، لإيهام هذا «المستعجل» بالعيش في فيلا ملك، بينما في الحقيقة هي ملك لغيره، والذي يملك غيرها آلاف الوحدات.
وهذا يذكرني بسواق تاكسي ركبت معه في الرياض مهرولا وقلت له «سرعة سرعة يا صديق طيارة روح»؛ أي أنه أوشك موعد إقلاع رحلتي، فقال «أنا 20 سنه شغل تاكسي كل شباب يركب لازم كلام سرعة سرعة ياصديق، أنا مافي مرور يفتح طريق، أنت تأخير أنت مسؤول» فبالتأكيد أنني أسوة بغيري قلت له لو أوصلتني «مستعجل» سأعطيك القيمة دبل.
السؤال هنا: لماذا أصبحنا هكذا، كل شيء نطلبه لا بد أن نسبقه بكلمة «سرعة سرعة مستعجل»، هل العجلة دليل أننا منظمين أم مبعثرين مشتتين، لو أن هذا الشاب وأخيه وأخيهم الأكبر وأنا ونحن إن كان لدينا إدارة حقيقية للوقت الحالي والقريب وعلى المدى البعيد بزرع ثقافة التخطيط والموازنة منذ أن كنا أطفالا، وعرفنا كيف نوفق بين الوقت والمال لكنا وفرنا نصف ما خسرناه في حياتنا، ولما كانت هناك فلل آيلة للسقوط تم شراؤها بملايين الريالات، ولما كان هناك سيارات مسحوبة من البنوك بعد أن تم دفع أقساطها 4 أعوام وتعثر في إحداها، ولما كان هذا الشاب ينفق في شهر ما كان سيشتري له غسالة ملابس وصابونا لمدة عام قادم، ولكنها كارثة تخطيطية تبدأ بـ«ثقافة الغسيل المستعجل».