الصحفيون بشر ويخطئون، والكثير من الصحف تصدر تصحيحا عند اكتشاف خطأ ما عند الطباعة، ففي معظم الأحيان تكون مجرد تفاصيل ثانوية، تتم بسبب السباق للطباعة والتقييد بالموعد النهائي، قد يكون خطأ في مسمى أو تاريخ، أو مصدر غير واضح، المهم أنها أخطاء غير مقصودة، لكن ألا تتكرر تلك الأخطاء بحيث تخسر الجهة الإعلامية مصداقيتها، ويبدأ القراء في التساؤل عن مستوى حرفية الصحيفة.
هذا شيء، ولكن اختلاق الحقائق شيء آخر! لأن ذلك لا يتسبب في طرد المراسل فقط، بل يحرج الصحيفة ذاتها، ويساهم في خلق شعر في جدار الثقة الذي عملت على بنائه على مدى أعوام عدة.من هذه الأحداث نستطيع أن نذكر طرد ستيفن جلاس من مجلة «New Republic»، وجايسون بلير من صحفية «New Yourk Times»، وجانيت كوك من صحيفة «Washington Post»، وآخرهم كلاس ريلوتيوس من صحيفة «Der Spiegel»، الحاصل على العديد من الجوائز، بما في ذلك جائزة مراسل العام في ألمانيا 2018، وصحفي العام على قناة سي إن إن في 2014، بعد اكتشافه من قبل مراسل آخر يدعى خوان مورينو، كان قد تم تعيينه كي يعمل على تقرير مشترك مع كلاس على حدود المكسيك مع أمريكا، كلٍّ يكتب تقريره من جهة مختلفة على الحدود، وعندما شك مورينو في التقارير التي قدمها كلاس، أوصل ذلك للصحيفة، التي لم تأخذ في بادئ الأمر تساؤلاته على محمل الجد، لما يتمتع به كلاس من مصداقية، لكن مورينو لم يستسلم وذهب بنفسه إلى الجهة الأخرى من الحدود وجمع الأدلة، ليس هذا وحسب، بل جمع أدلة عن تقارير أخرى لكلاس، وبعد مواجهته من إدارة الصحيفة، بما جمعه مورينو من أدلة، اعترف باختلاق مصادر في عشرات المقالات على الأقل منذ عام 2011، منها تقارير حائزة على جوائز كانت عن تركيا وسوريا، وجوانتانامو والولايات المتحدة وأماكن أخرى، وتم توثيق ذلك في كتاب مورينو بعنوان «ألف سطر من الأكاذيب».
اختلاق الأحداث وتزييفها ليس بجديد، بل كان قائما منذ بداية ازدهار الصحف في القرن التاسع عشر، عندما كانت ترسل مراسلين إلى مناطق أخرى، داخل أو خارج البلاد من أجل تزويدها بالتقارير الإخبارية، عندها ساهمت الابتكارات في تكنولوجيا الطباعة والتلغراف بسرعة الإرسال والنشر والتوزيع، ولتعدد المراسلين أصبحت التقارير شبه موحدة في تغطية الخبر، ولكي يتقدم بعض المراسلين زملاءهم، اتبعوا الخلق وتزييف المعلومات حتى يستحوذوا على العدد الأكبر من القراء، بل إن بعض الصحف لم ترسل أي أحد، بل تعاقدت مع مراسل محلي يتظاهر بأنه يرسل تقاريره من الخارج، وما كان يفعله ليس أكثر من البحث في التقارير المرسلة من مصادر أخرى في منطقة الحدث، ثم يختار الأجزاء الأكثر صلة بالموضوع، ويعيد تقديمها بإضافة بعض الأحداث والشخصيات، لتظهر بطريقة درامية تشد القراء الذين يصدقونه بدورهم، لأن ما قدمه يؤكد الكثير من المعلومات التي وصلتهم من التغطيات الصحفية المتعددة التي مرت عليهم.
وما زلنا اليوم نشهد اختلاق الكثير من التقارير الإخبارية المزيفة، ما يتم فيها ليس سوى تجميع لخيوط الخبر، من صور وأسماء وأحداث تم تداولها إعلاميا، ومن ثم إعادة بثها في إطار درامي جديد، تتخللها أحداث وشخصيات وربما أسماء غير صحيحة، لماذا؟، بعضها لشد القراء وبعضها لتضليله، وبعضها لمجرد أنهم يريدون التميز عن غيرهم، تحت ضغوط إدارة النشر بالتخلص منهم إن لم يساهموا في زيادة عدد القراء!، ولهذا نتساءل كيف تحمي الصحافة نفسها في عصر الأكاذيب والأخبار المزيفة؟، بخلق وضبط واستقلالية جهاز التحقق من المعلومات، وكيف يمكن للقارئ أن يميز بين ما هو حقيقي وما هو مزيف، بما أن الصحافة أصبحت مخترقة من مدعي التقارير الكاذبة والملفقة، إضافة لطوفان المعلومات التي تبث عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت؟. لنركز هنا أن التقارير غير الدقيقة أو الخاطئة، عادة ما يتم سحبها أو تصحيحها، وعليه فهي لا تعتبر أخبارا مزيفة، ولكن الجهة الإعلامية التي تطرد مراسليها لاختلاقهم الحقائق والاقتباسات في التقارير الإخبارية، وتعلن ذلك بعد أن تقدم اعتذرا للقراء، هي الجهة التي يجب أن نستمر بمتابعتها، ولكن المهم اليوم وأمس وغدا، هو ألاّ نتخلى عن الحذر والحرص على التأكد من كل ما يبث إلينا، سواء كان ذلك عند متابعة ما تقدمه الصحف العالية المصداقية أو ما يقدمه غيرها، وكيف يكون ذلك؟، عن طريق القراءة الناقدة ووضع الأسئلة، فبهذه الطريقة تتضح الصورة أكثر من مجرد تقبل الإجابات أو المعلومات الواضحة والمعلنة، فليس كل واضح صحيحا، وليس كل معلن حقيقة!. أمر متعب ويستحوذ على مجهود ووقت؟! نعم، ولكنه يستحق حتى لا تصبح متلقيا تابعا أو مُضللا.