سلكت الحركة، بعد سنوات من العسكرة، منهجين: الأول السابق ذكره، وأخيرا تعلم مُمثلوها وأصحاب قرارها بعضا من السياسة. في الماضي كانت – الحركة - تُجيد استخدام السلاح والقتل، لكن الآن بعد سنوات من مناحرة الولايات المتحدة الأمريكية، تعلمت في السياسة كثيرا من الدروس، والدليل أنها تمكنت من إبرام اتفاقية مع واشنطن، أطلقت على نفسها في سطورها «إمارة أفغانستان الإسلامية»، حتى وإن لم تكُن الولايات المتحدة تعترف بهذا المسمى، إلا أن «طالبان» تعالت عليها، وخرجت أمام العالم بصفة وشكل المنتصر على القوة العظمى.
هذا مكسب معنوي يمنحها قوة وزخما عالميا لم تحلم به. وليّ في تلك الاتفاقية المبرمة بعض التفسيرات، التي قد تحتمل الصواب والخطأ، ولكن قبل ذلك، أريد القول إن انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الأراضي الأفغانية، الذي جاء بقرار على لسان رئيسها جو بايدن، والمقرر آواخر أغسطس الجاري، بعيدا عن كونه يُعبّر عن فشل في حرب دامت سنوات، هو بمنزلة بطاقة عودة أفغانستان للمربع الأول أو الخانة «صفر».
وقد يرى البعض ذلك نتاج ملل واشنطن من الحروب الخارجية، بالإضافة إلى تبدل الآراء بين إدارة وأخرى، وهذا جائز أيضا. لكن ما المقصود بالعودة للمربع «صفر»؟. القصد دفع الميليشيات مثل حركة «طالبان» التي تحاورت معها واشنطن، ودخلت معها في هدنة، لتتصدر المشهد، وتصل إلى حكم الدولة بقوة السلاح، وهذا ما حدث بالفعل على الأرض الأفغانية، نظير تمكينها، بموجب تلك الاتفاقية، من أجزاء من الحياة السياسية الأفغانية.
أتصور أن الخوف مُتاح في هذا الجانب من إمكان فهم الجماعات المتطرفة الرسالة الأمريكية كضوء أخضر للعودة إلى هناك، أي لأرض أفغانستان، وهذا سينتج شرا مُستعرا في قادم الأيام.
أعتقد أن إقدام واشنطن على إفراغ الأراضي الأفغانية، على الرغم من عدم تحقيق أهدافها التي دخلت من أجلها حربا دامت أكثر من 19 عاما، ما هو إلا محاولة لجر دول تجد من مصلحتها المرور بأفغانستان، أو على أقل تقدير استقرار تلك البقعة من العالم، لتنامي اقتصاداتها، مثل الصين على سبيل المثال، التي تحاول جاهدة إحياء طريق الحرير من جديد، وذلك لن يتم دون استقرار تعيشه كامل الخارطة الأفغانية، وما المباحثات التي عقدها وفدٌ من حركة «طالبان» في العاصمة الصينية، قبل أسابيع، إلا برهان على إدراك الجانب «الطالباني» المطلب الصيني؛ لذلك لم يذهب الوفد للاستماع لمطالب بكين إلا وهو يملك أوراق قوة لا ضعف، على شكل شروط واضحة، تخدم بالدرجة الأولى نفوذ الحركة، ومن ثم أفغانستان الدولة.
كيف ستحقق الصين أهدافها؟. من خلال الاستثمار في الأراضي الأفغانية، الغنية بالذهب والفوسفات والمعادن، والأحجار الكريمة، والغاز، هذا بالإضافة إلى المساحة الشاسعة لتلك الدولة ذات القابلية للاستثمار الزراعي، ومعاناتها افتقار أبسط مقومات الحياة.
على هذا الأساس، قد تجد بكين نفسها مضطرة للاستثمار في البُنى التحتية التي تلامس حاجة الإنسان الأفغاني، إلا أن ذلك لا يكفي، إذ بالضرورة أن تعمل على توفير الغطاء السياسي لحركة «طالبان»، التي تسعى لفرض قبضتها على الدولة، لتحصل على مبتغاها بعيد الأمد، وذلك بالمعيار الدولي خطأ إستراتيجي، إذ يضع السياسة الصينية في خانة داعمي الحركات المسلحة، وهو ما تخشاه بكين، وتحاول الابتعاد عنه، لسببين، ما هما؟.
الأول أن ذلك يحقق الرغبة الأمريكية، التي أخلت أراضي أفغانستان، في خطوة لاستدراج التنين الصيني إلى وحل المستنقع الأفغاني. والآخر الخوف من اندلاع مواجهة مع «طالبان» عسكريا إذا ما استثمرت الصين في الأراضي الأفغانية، واستمرت الحركة في حمل السلاح والتمرد؛ كونها تعتبر من الدرس السوفيتي، الذي بعث بـ100 ألف جندي إليها، لكنهم عادوا يجرون أذيال الهزيمة.
على هذا الأساس قد تشهد «طالبان» بعض الرغبات الصينية، التي يُمكن من خلالها تقديم الحركة للعالم كجسم سياسي ليس مسلحا. هل تستطيع الصين تحقيق ذلك؟. ربما. وهل ستقبل الحركة؟. يُمكن، لماذا؟، لأنها تؤمن بأن العقلية السياسية الصينية استثمارية بالدرجة الأولى، وغير باحثة عن نفوذ سياسي قدر الاقتصادي، بالإضافة إلى أن جُل هم «طالبان» كسر شوكة الولايات المتحدة الأمريكية، وتلك أمنية وهدف مشترك ما بين بكين والحركة، لذلك قد يخلق ذلك التقاطع نوعا من التفاهم بين الطرفين.
ماذا عن الجمهورية الإيرانية؟. أجزم أن ضرورة الجوار تستدعي وجود طهران في المشهد الأفغاني، على الرغم من الاختلافات المذهبية والمنهجية والسياسية بين الدولتين، وذلك منفذ لدفع إيران للدخول في تلك المنطقة الموحلة، وإيهامها بتحقيق أكبر قدر من النفوذ الإستراتيجي والجيوسياسي.
أتخيل أن ذلك ما يجب أن تعمل عليه أي دولة تُعاني النفوذ الإيراني، وعلى رأسها دول الخليج، التي من الممكن أن تستثمر الورقة الأفغانية بشكل يحولها إلى فخ لاستدراج النظام الإيراني لتلك المساحة.
كما يُمكن أن تكون قد عملت واشنطن على استدراج التنين الصيني للدولة نفسها التي تُعاني جبروت السلاح والفرقة والتشظي منذ عقود من الزمان.
ماذا يُمكن أن يُستفاد من دفع النظام الإيراني لأفغانستان؟. تخفيف ضغط الوجود الإيراني في المنطقة العربية، من سورية مرورا بلبنان والعراق، وحتى صنعاء، عبر تحويل الجهد الإيراني إلى دولة تخشى جوارها، بدلا من مواقع بعيدة من الناحية الجيوسياسية، وبذلك تتم تعرية نظام الملالي من حيث إبعاده عن حمل لواء الدفاع عن شيعة المنطقة، كما يتشدق به، وإنما يهمه بالدرجة الأولى استخدام الطائفة كورقة ومطية لا أكثر ولا أقل.
إن الفخ الذي اندفعت له الولايات المتحدة الأمريكية، لاستدعاء الجمهورية الصينية للأراضي الأفغانية، يُعد مجالا واسعا لأن تفكر في استنساخه دول تُعاني نفوذ الشر والتطرف الإيراني بالمنطقة.
وبهذا المنطق، يُفترض النظر من هذه الزاوية، واستغلال هذا الملف الذي قد يُشغل به العدو التاريخي عن الإقليم.
لذا آن الوقت للتفكير خارج الصندوق، آمل ذلك.
وحتى صندوق مقبل، لنكُن بخير.