إن موقفنا من الآخر المخالف لنا في الدين والعقيدة، بكل واقعية وتجرد، لا يزال يتسم بالتشنج والرفض والكراهية... فعلى الرغم من أن أحكام الجهاد والجزية والتكفير مرتبطة بسياق الحروب الصليبية والصراعات الدينية، إلا أن بعض فقهائنا وعلمائنا لا يزال يلوك أقوال الأقدمين دون تبصر وتمحيص.
الغريب أن ابن تيمية الذي يوسم عادة بالتعصب رجح القول بأن الجهاد إنما شرع للدفع أي الدفاع لا للطلب أي الهجوم !، معتبرا أن الأصل في العلاقة بين البشر هو السلم لا الحرب، وهو رأي يختلف عن فتاوى التكفيريين المتعصبين الذين يعلو صوتهم في أيامنا.
كما أن بعض العلماء بين أن الجزية التي فرضت على المعاهدين في مراحل من تاريخ الإسلامي إنما كانت انسياقا مع قانون دولي لا علاقة له أصلا بالدين، والدليل على ذلك أنها رفعت عن بعض نصارى العرب ... وعلى كل حال تغير القانون الدولي نفسه، فلم تعد العلاقات بين الأمم تبنى على أساس الانتماء الديني، بل الروابط المصلحية والتضامن الإنساني.
هل يمكننا إعادة التفكير إسلاميا في العلاقة بالآخر ضمن هذا المنظور الإنساني الجديد؟ قبل سنوات، قدم العلامة عبد الله بن بية تصورا جديدا للمواطنة الشاملة بتأصيل شرعي قوي يستند إلى صحيفة المدينة المنورة، التي كانت أول دستور ينظم علاقات المسلمين بغيرهم وخصوصا من اليهود ضمن معايير التضامن والتعايش السلمي والدفاع المشترك. كما أن شيخ الأزهر الإمام الأكبر أحمد الطيب والبابا فرنسيس أصدرا وثيقة تاريخية هامة حول الأخوة الإنسانية وضعت لتحديد وضبط علاقات المسلمين بإخوانهم من أتباع الديانات الأخرى، بل سكان المعمورة كلهم الذين أصبحوا متجاورين في قرية واحدة.
إن بعض الكتاب الإسلاميين يرفع شعار حق الخصوصية والاختلاف لشعوبنا، وهو شعار بالحقيقة غير إسلامي النشأة، بل إن الإسلام هو أساسا دين الكونية الإنسانية التي تبدو في حقيقتين راسختين هما: وحدة الأصل الإنساني دون تمييز أو تفضيل أو تراتب، وأهلية الاصطفاء والتكريم الممنوحة للبشر في عمومهم لا لأمة بعينها أو شعب مختار محدد... فالانتماء لأمة الإسلام لا يلغي وشائج الإنسانية وأخلاقيات التضامن والحوار.
في السنوات الأخيرة تعددت ندوات ومبادرات الحوار الديني والحضاري، خصوصا بعد انبثاق أطروحة صدام الحضارات التي طرحها بعض مفكري الغرب وتلقفها بحماس بعض الإسلاميين دون أن يدركوا الخلفيات الخطيرة لهذه الأطروحة... وكيف أن هذه الحوارات قامت أساسا على عقلية التناقض الجوهري الذي يمنع القواسم المشاركة والقيم الجامعة، مع أن الإنسانية تتفق اليوم في أهم الثوابت والمرجعيات، والديانات التوحيدية كلها تنهل من النبع نفسه.
محي الدين بن عربي قال في أبياته الرائعة:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي.. إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
لقد صارَ قلبي قابلاً كلَ صُورةٍ.. فمرعىً لغزلانٍ ودَيرٌ لرُهبانِ
ِوبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ.. وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآن
أدينُ بدينِ الحبِ أنّى توجّهتْ.. ركائبهُ، فالحبُّ ديني وإيمَاني.