اكتفي بالقول، إن الحداثة تشمل قيماً أربعة كبرى لا يمكن أن نتصور أي مجتمع حديث من دونها وهي: الحرية بمعنى حرية الإرادة والوعي والاختيار، والعقلانية بمعنى التصور الموضوعي المستند إلى التجربة العلمية الدقيقة، والتصور المدني للدولة أي تأسيسها على المصلحة المشتركة ورابطة المواطنة المتساوية، والتقدم التاريخي بصفته القوة الدافعة لحركة المجتمع وتطوره الذاتي.
إذا تمسكنا بهذه القيم الأربعة، أمكننا القول إن المثقف في السعودية هو الذي حمل هذه التطلعات والأفكار ودافع عنها بقوة، مدعوماً من الدولة التي كما ذكرنا سابقاً كانت هي الحليف الموضوعي للمثقف في مشروعه التحديثي.
المثقف المبدع من شاعر وروائي وفنان هو الذي جسد قيم الحرية من خلال الأعمال الأدبية والفنية التي عبرت عن تحولات المجتمع وديناميكيته الجديدة، ولقد أصبح من البديهي اليوم أن الحركة الأدبية والفنية السعودية تتصدر بقوة الساحة الثقافية العربية، بما يدل على الدرجة المتقدمة التي وصلت إليها حرية الإبداع في بلادنا.
أما العقلانية، فتبدو في المقاربة النقدية التنويرية التي تبناها المثقف السعودي في محاربته للجمود الفكري والتطرف والتعصب ودفاعه عن التفكير العلمي الموضوعي الذي هو المسلك الحقيقي للتطور والتنمية بأبعادها المختلفة. العقلانية بالواقع هي ليست نقيض الدين في نصيته العقدية وأحكامه الشرعية، بل هي التعبير الحقيقي عن مضمونه القيمي والمعنوي، كما كان يقول لنا المفكر محمد إقبال.
أما الدولة المدنية، فهي المشروع الذي تحالف من أجله المثقف مع بناة الدولة السعودية من ملوك هذه البلاد الذين أدركوا أنه لا سبيل لنهوض المجتمع إلا من خلال هياكل بيروقراطية وإدارية معاصرة تكفل حقوق المواطنين دون تمييز أو إقصاء. فمع أن الشرعية الإسلامية هي مستند هذه الدولة، إلا أن هذه الشرعية لا تتعارض مع الطابع المدني الحديث كما تعير عنه المنجزات الكبرى في مجالات التسيير الإداري والتنظيم المؤسسي وإدارة المجال العمومي الذي اعتبره عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر الخصوصية الكبرى للمجتمعات الحديثة.
أما الأفق التاريخي، فيبدو جلياً من خلال حمل المثقف السعودي مثال «التقدم» كقيمة مركزية للاندماج في الحضارة المعاصرة. ليس من الصحيح أن مفهوم التقدم خاص بأفكار وأيديولوجيات اليسار، بل إنه مقولة تشمل كل المفاهيم والتصورات الحداثية في إيمانها الإيجابي بحركة الزمن الفاعلة وضرورة الانسجام مع الواقع المتجدد.
لقد خضت بنفسي وما زلت أخوض معارك قوية تماماً مثلما خاض المثقف السعودي في السابق معارك قوية ضد الاتجاهات المناوئة للحداثة والتحديث، وتعرضت وتعرضوا وما زال البعض يتعرض لأصناف شتى من الاتهامات كالخروج على التقاليد الاجتماعية أو المعتقدات الدينية والاستلاب الحضاري أو الطعن بالوطنية.
أثبت لنا الوقت ما ظهر للكل اليوم جلياً، أن المثقف الحداثي المنفتح هو الذي كان يدافع عن مشروع الدولة الوطنية، وعن حرية المجتمع وتطوره، في اتجاه تغييري مفتوح على المستقبل وعلى العالم، في الوقت الذي كان دعاة التخلف والجمود يضعون العوائق والعراقيل في طريق الدولة.
ما دامت الدولة هي قوة التحديث الاجتماعي والتاريخي في هذه البلاد، فإن المثقف الحداثي هو حليفها الموضوعي والعملي الحقيقي.. فليبقى الرهان الحقيقي على المثقف.