هل هناك ارتباط بين الدين والنهضة؟ سؤال متغير تغير الدلالات اللغوية عبر التاريخ الإنساني، فما تعنيه كلمة (جريدة) قبل ألف عام (سعف النخل) لا علاقة له نهائيًا بكلمة (جريدة) في عصرنا هذا، فعن أي جريدة تسأل: (الوطن أم عكاظ، الرياض أم الجزيرة)، فما المقصود بالدين وما المقصود بالنهضة؟ إن كان المقصود بالدين المعنى العرقي العربي الذي اختزل الحكم في قريش واختزل النهضة بالمعنى الحربي في التوسع الإمبراطوري بالسيف، فالإجابة بكل دقة نعم هناك ترابط معتبر قبل أكثر من ألف سنة، لكنه وفق هذا المعطى لن يختلف كثيرًا عن التوسع الإمبراطوري المغولي في حقبة من حقب التاريخ، وهو في العصر الحديث يعتبر طرحًا أشبه بالأفكار النازية التي قامت على تفوق العرق الآري مع صليب معقوف بأهداف توسعية، علمًا بأن الدولة في العهد الأول لم تكن موجودة بالمعنى العلمي الموضوعي، فلا يوجد حتى عملة خاصة مستقلة بل دراهم ودنانير فارس والروم، بل وحتى تطور كتابة العربية كان بدائيًا بغير نقط ولا تشكيل ولا قواعد إملائية شبه مستقرة، بل بقي ينمو لعقود طويلة مما جعل الدواوين مكتوبة بغير العربية، ولهذا تسمى دولة بالمعنى المجازي.

أما إن كان المقصود بالدين المعنى الخاص بالفرد الذي لا علاقة له بالمؤسسة الدينية (الكهنوتية)، والمقصود بالنهضة معنى علمي تقني يشبه الموجود في أوروبا والصين، فلا علاقة للنهضة بالمؤسسات الكهنوتية نهائيًا بل على العكس، فبقدر ابتعاد المؤسسات الكهنوتية عن الهيمنة على الفضاء العام بقدر ازدياد النهضة، ويستشهد البعض بالحاصل في نهضة أمريكا الشمالية (البروتستانتية) مقارنة بتخلف أمريكا الجنوبية (الكاثوليكية)، وعليه فإن كل السرديات التي تتحدث عن أثر الدين في اكتشاف هذا واختراع ذاك ليست سوى مباركات يدونها بعض مؤرخي العلوم (المتدينين) لسرقة (شعلة الفردانية المرتبطة بالإبداع) من هؤلاء الأفراد الاستثنائيين الذين عاشوا بالتقية والمشبوه في تدينهم أصلًا أمام الكنيسة.

قد يغالط البعض بأن أمريكا الشمالية (متدينة) متناسين أن حقيقة التدين في الولايات المتحدة يتكئ على فلسفة مغرقة في (البراغماتية) التي نشأت وترعرعت كفكرة ومنهج في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي حاول الإخوان المسلمون محاكاتها بطريقة حمقاء وفجة متناسين أنها تتكئ على فكر رأسمالي ينسبه ماكس فيبر للبروتستانتية، والبروتستانتية في ثورتها على الكنيسة تعيدنا للمربع الأول في حماية الفضاء العام من هيمنة (المؤسسة الدينية)، وأن البروتستانتية حتى ولو كانت مذهبًا دينيًا فهي ثورة في سبيل إنهاء ربط الناس بالبابا للوصول إلى السماء، ولهذا فحتى الكاثوليكية في أمريكا الجنوبية حاولت اللحاق بالتطور الحضاري في معالجة أزماتها الاقتصادية من خلال علمنة نفسها بإطروحة (لاهوت التحرير) التي استنكرها البابا وقاومها باعتبارها خروج على الدين دون أن يطرح حلولًا عملية موضوعية لأزمات الفقر هناك بدلًا من المواعظ واقتباسات الإنجيل التي ليس لها أي قيمة في مفاوضات صندوق النقد الدولي.

هنا نصل إلى مربع جديد في النقاش هل المقصود بالدين ما تنتجه المؤسسات والهياكل الكهنوتية الموجودة في العالم عبر المجامع المسكونية أو هيئات الفتوى الرسمية، كضرورة (سياسية) لا علاقة لها بالنهضة بقدر ما لها علاقة (بالنظام الدولي ومعاييره في حقوق الإنسان)، لنرى في إصدار البابا لإرشاده الرسولي الأول «فرح الإنجيل» في 24 نوفمبر 2013م دعوة للتقارب الإنساني حيث أكد فيما يتعلق بالمسلمين على حد قوله: (أن العلاقات مع أتباع الإسلام، في هذا العصر، تكتسي أهمية كبرى لحضورهم في سلسلة من البلدان ذات تقليد مسيحي، ومن حقهم إقامة شعائرهم بحرية والعيش في كنف تلك المجتمعات بأمان، وأن هؤلاء المسلمين على إيمان إبراهيم، ويعبدون معنا الله الواحد، الرحمن الرحيم، الذي يدين الناس في اليوم الآخر، وأن مرجعيات الإسلام المطهرة تتضمن جوانب من تعاليم المسيحية، فالمسيح ومريم موقران جليلان) محاولًا إنهاء سوء ظن تربى عليه كثير من أتباعه المسيحيين ضد المسلمين.

وأخيرًا أخطر ما يمكن هو اعتبار الدين مكون أساسي من مكونات النهضة دون أن تكون قاعدة الدين قائمة على الفلسفة (العلمانية البراغماتية) التي هذبت جموح البروتستانتية لأن هذا الدين في شكله العقائدي البدائي ليس إلا أداة سياسية في البحث عن مرتزقة جدد من أصحاب الأديان تستعيد بهم بعض القوى العظمى أمجاد لعبتها القذرة في الحرب الباردة بينها وبين الاتحاد السوفيتي، ليصبح الدين مجرد (أداة أيديولوجية) بلا معنى روحي سوى (سفك الدم) فإذا انتهت صلاحيته الأيديولوجية تمت محاكمته والبراءة منه من جديد.

الدين ماء للأوراح الضامئة، فإذا أضيف له بعض قطرات من السياسة بيد الكنيسة أو القيصر أصبح من أخطر المخدرات/المنشطات على الشعوب، مدمرًا لأي نهضة محتملة، ورأيت الشعوب تخبط في بعضها على غير هدى قتلًا وذبحًا، مستعيدة بذلك الصليب النازي المعقوف الذي لا يختلف عن الرايات السود لداعش أو القاعدة.

هل للدين علاقة بالنهضة؟ الإجابة هي نفس علاقة اللون الأخضر بالمثلث أو المربع، بإمكانك أن تقوم بصباغة المثلث باللون الأخضر، ثم تقول (إنه مثلث أخضر) وهناك علاقة ورابط قوي بين المثلث واللون الأخضر، وبإمكانك أن ترسم المثلث دون أن تصبغه باللون الأخضر ثم تقول: (إنه مثلث فقط) وتتساءل مستنكرًا ما علاقة اللون الأخضر به؟!، وعندها بإمكاننا القول، إن النهضة الغربية في حقيقتها هي هذا المثلث الذي أخذه اليابانيون وأخذه الهنود وأخذه الصينيون، ولم ينشغلوا بصبغه بلون أحمر أو أصفر أو أزرق ليقولوا بعد ذلك انظروا (إنه مثلث شيوعي، أو مثلث بوذي، أو مثلث هندوسي) وما زال بيننا من يزعجك بعلبة ألوانه التي يأخذها معه لحصة الرياضيات فإن تحدثت عن الأرقام صبغها بالأخضر ليقول لك إنها إسلامية والدليل ما فعله الخوارزمي، فإن رسمت نجمة سداسية لتسأل الطلاب عن عدد المثلثات بداخلها كسؤال رياضي بحت انطلق وأخبرك أنها نجمة يهودية لا يصلح استخدامها في حصة الرياضيات، وأن إشارة الجمع أقرب للصليب وهي حيلة ماسونية، فتدرك أن النهضة لا علاقة لها بهؤلاء المعاتيه من حاملي علبة الألوان لا من قريب ولا من بعيد، سؤال النهضة سؤال حضاري دنيوي أما سؤال الدين فهو سؤال خلاصي أخروي، ويبقى السؤال الصحيح عن النهضة على المستوى التعليمي في المدارس يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى القدرة على الفصل بين (الميتافيزيقي والفيزيقي) لأن أدلة الأول (ذاتية/إيمانية) وأدلة الفيزيقي (موضوعية امبيريقية)، ولهذا كانت الكحول في المختبر من أفضل المطهرات الطبية التي عرفتها البشرية، وكانت في الدين نجاسة توصف بأم الخبائث.