لا شك أن من أعظم المشاعر الوجدانية «حب الوطن»، ولا أعظم في الشعور من التغني به أو الكتابة عنه ممتدحا تارة، ومدافعًا تارة أخرى، وذلك أضعف الإيمان. إلا أن هذه المشاعر ليست سواء عند الجميع، فهناك أناس حرموا أنفسهم من هذه المشاعر، خاصة عند تلك الفئة التي ترى أن الوطن ليس إلا حفنة من تراب. هؤلاء يعيشون معنا ويأكلون من خير الوطن متخفين تقية على أمل، وفي برامج التواصل قابضين على ألسنتهم بجمر من الأحقاد، ينفثونها كعادتهم تحت مواقد المواسم، فكلما أوقدوا نارًا اُطفئت في أفواههم، مستغلين كعادتهم شعارات تدغدغ مشاعر السذج، تارة باسم الدين تحت شعار (بلاد الحرمين) و تارة بشعار (الجزيرة العربية)

فتقرأ استهالةً من أحدهم «انظروا ماذا يحدث في بلاد الحرمين»! وثانٍ يقول: أخرجوا الكفار من جزيرة العرب !

وثالث يقول: أيسرك أن تقبض روحك وأنت في موسم الرياض؟.


كل ذلك ليس بالجديد علينا نحن السعوديين، ففي حرب تحرير الكويت، وجه إعلام صدام حسين بتسمية السعودية بديار نجد والحجاز، وفي الداخل لم يؤيد شيوخ التطرف التعاون السعودي مع القوات الاجنبية، وأججوا فتاوى متطرفة بتحريم دخول الكفار إلى جزيرة العرب أو التعاون معهم، الموقف الذي حرك في الوزير الشاعر غازي القصيبي رحمه الله، روح الوطنية فكتب قصيدته:

أجل نحن الحجاز ونحن نجد

هنا مجد لنا وهناك مجد

ونحن جزيرة العرب افتداها

ويفديها غضارفة و أسد

ونحن شمالنا كبر أشم

ونحن جنوبنا كبر أشد

ونحن عسيرنا مطلبها عسير

ودون جبالها برق ورعـد

ونـحــن الشاطيء الشرقي بحر

وأصداف وأسياف وحشد

ونحن البيد رايات لفهد

ونحن جميع من في البيد فهد

ونحن كل ذلك أيضًا، كما يقول الأصيل غازي القصيبي الذي نظم هذه الأبيات، ليشحذ همم الوطنيين المخلصين في حرب التحرير، ولإسكات التطرف الداخلي والعدوان الخارجي. فكانت قصيدته أروع ما كتب في الفخر والمدح ووحدة الوطن والأرض والتاريخ.

المدح فضلًا عن أنه غرض شعري، هو أيضًا أداة قابلة للاستغلال، والتكسب، والوقيعة، وإثارة الرماد في الألسن الخامدة، التي تقذف بحممها من بعيد، مستغلةً عاطفة أخرى غير تلك التي اعتدنا سماع عزفها، فإذا كان الدين يعزف على وتر العاطفة، فإن الوطنية يقرع طبولها المدّاحون، وليس كل المدّاحين صادقون أو مخلصون، خاصةً في التنافس بين الدول سواء في الرياضة أو الصناعة

أو الاقتصاد.

من الطبيعي أن ينحاز الشخص لوطنه مدافعًا وممتدحًا، شرط ألا يتنقص أو يشتم الآخر.

عندما امتدح ودافع أحدهم عن وطنه الذي يقذف من الداخل قبل الخارج، رد عليه الآخر شاتما بلسان التنافس، وهذا وذاك يصنعان كرة ثلجية تتضاعف كلما تنافسوا في النزاع. هذا مدافع وذاك مهاجم.

لا يعني ذلك أن يبقى المجتمع أسيرًا للمحافظة على الجمود دون منافسة أو تجديد، وإنما في زخم تلك التطورات السريعة التي يشهدها الوطن، لا بد أن نحذر أولئك الذين يتسللون من أصغر الثغرات لصنع العداوات بلساني المدح والقدح، للوقيعة بين هذا وذاك.

وأن نكون أكثر انسجامًا مع لغة التنافس المقبلة في الوطن، الذي فيه ننسجم بذواتنا التي آن لها أن تبدأ مرحلة تحتاج فيها إلى المزيد من التركيز.

يقول ابن خلدون: «إن التنازع عنصر أساسي من عناصر الطبيعة البشرية، فكل إنسان يحب الرئاسة وهو لا يتردد عن التنازع والتنافس في سبيلها إذا وجد في نفسه القدرة على ذلك».