قصص مؤلمة نطالعها كثيرا على وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي عن حالات من العنف الأسري الذي يمارسه البعض ضد أفراد أسرته، لأسباب واهية وذرائع غير منطقية، بدعوى التأديب والتقويم، وهي أساليب غير منطقية ولا تمت للتربية بأي صلة.

لـ«العنف الأسري» عدة أشكال، منها الاعتداء الجسدي، أو اللفظي، أو التهديد والتخويف، أو الحرمان الاقتصادي، وكل هذه الأشكال من الإيذاء تترك أثرها في نفسية المعنّف بنسب متفاوتة.

في البدء، يجب تأكيد أن الولاية التي منحها الله - سبحانه وتعالى - للرجل على أهل بيته هي تكليف في المقام الأول ومسؤولية كبيرة وأمانة عظيمة، لأن صلاح الأبناء ونجاح مستقبلهم رهين بالتربية التي يجدونها في بيوتهم، والإحسان الذي يحظون به من القائمين عليهم، وأجواء الدفء الأسري وإحساس الأمان التي لا بد من توافرها، وعن كل ذلك نحن مسؤولون، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته..».


البعض ممن فرط في مسؤولياته، وأذاق أهل بيته الويلات والعذاب، وسلب حقوقهم المشروعة، يتصور - للأسف - أن الأسرة جزء من أملاكه، ومن حقه أن يفعل بهم ما يريد دون أن تكون لهم أو لغيرهم القدرة على الاعتراض أو الرفض، ويظن أن تدخل أي جهة هو تعدٍ على حقوقه وصلاحياته، ويتناسى أن صلاح الفرد ينعكس على صلاح المجتمع، وأن من هم برعيته ليس بمقدورهم بطبيعة الحال احتمال القسوة المفرطة التي يتعامل بها البعض معهم، فكم من طفل أصيب بعاهة مستديمة أو حالات نفسية معقدة، بالإضافة إلى الانحرافات السلوكية التي ترافق الضحايا فترات طويلة، فسجلات الأجهزة الأمنية تثبت أن كثيرا من الأطفال الذين تورطوا في قضايا السرقة أو يتم استغلالهم في تنفيذ عمليات إرهابية أو الاتجار في المخدرات هم من الذين تعرضوا لنوع من العنف في طفولتهم، وأن تلك التجربة المريرة هي السبب في انحرافهم.

المفارقة تكمن في أن من يلجأون إلى تعنيف أفراد أسرهم يظنون أن ذلك من ضرورات التقويم وأدواته، وكثير من هؤلاء يريدون الخير لعائلاتهم، لكنهم يجهلون أن الإيذاء لم يكن يوما وسيلة للتربية السليمة، والآثار السيئة التي يتركها لن تمحى من ذاكرة الضحايا.

ولنا في المنهج النبوي الشريف أفضل قدوة، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، فكان عليه أفضل الصلاة والسلام من أشد الناس رفقا في التعامل مع أهل بيته، رضوان الله عليهم، وتحفل السيرة النبوية المطهرة بقصص مبهرة في هذا الجانب.

هنا تبدو الحاجة الملحة لتصويب المفاهيم وتوضيح الحقائق، لأن الأخطاء الناتجة عن مفاهيم مغلوطة لا يمكن تصحيحها إلا بزيادة الوعي وتفنيد الأوهام. ومع التقدير للدور الذي تقوم به الأجهزة المختصة، إلا أن ذلك لن يكون كافيا لوحده ما لم ترافقه حملة توعوية مكثفة، لتبصير الجميع بحقوقهم وواجباتهم، ومن ثم يتكامل الجانب القانوني مع الجهد التوعوي، لتحقيق الأهداف المنشودة.

وهناك نقطة في غاية الأهمية، وهي أن البعض ما زال يلتمس الأعذار لمن يمارسون العنف بحق أطفالهم، ويتعاطفون مع آباء تناسوا واجباتهم الأساسية، ويتعاملون معهم بحسن نية، ويستنكرون مساءلتهم ومحاسبتهم، ولهؤلاء أقول: إن التربية لا تتم عبر التعذيب، إنما هي مهمة سامية قام بها الرسل والأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، بالصبر والنصيحة والحث والتحفيز، وليس بالعنف والإيذاء، فملكوا القلوب وخلدوا أعظم السير.