لا شك أن القرار السعودي والخليجي القاضي بطرد السفراء اللبنانيين من الرياض وبعض عواصم دول مجلس التعاون، واستدعاء السفراء من بيروت؛ ووقف الواردات اللبنانية؛ حتى إن جاء متأخراً، إلا أنه خطوة في الاتجاه الصحيح.

مُتأخراً نظير الحكمة والحلم والصبر. وصحيحاً لأنه الحل الوحيد مع من يتضح أنها عصابة مسلحة أحكمت قبضتها على الدولة وباتت تعمل لغير الصالح العربي - اللبناني. وهذا ليس بجديد بالمناسبة، إنما الجديد هو تأكيد المؤكد، المتمثل في إصرار حسن نصر الله الحاكم الفعلي للبنان على إخراج الدولة بمقدراتها ومؤسساتها خارج المحيط العربي لحساب الجمهورية الإيرانية، التي ستهرول حتماً لملأ الفراغ السعودي والخليجي، للحصول على مزيد من فرض السيطرة عبر مندوبها في الضاحية الجنوبية لبيروت.

ولإيضاح التصورات المطروحة أكثر، يجب بحث الأمور بالمنظور المنطقي وليس بشكل تحتمه العاطفة الشعبوية. وهذه ليست نخبوية أو نرجسية، بقدر ما هي عقلانية صرفه، تقودني لإدراك عنوان عريض من يفهمه تتضح له الصورة، ألا وهو استمرار السياسة اللبنانية على نمط المدرسة القديمة التي تلفظ أي شكل من أشكال التحديث الذي تعيشه المنطقة، وهي المدرسة ذاتها التي تفسر ما حدث على أنه «أزمة عابرة»، وذلك فيه كثير من السطحية والجهل السياسي، وهي المدرسة ذاتها التي خرج منها وزير الخارجية اللبناني، الذي قال، أمس الأول، «هناك قسوة في الإجراءات السعودية».


والأمر كما يبدو أعمق من تفكير الوزير، إذ إنه نتيجة تراكمات عبر سنين تجاه تلك الدويلة؛ أهمها أن الطريق أصبح مسدوداً في التعاطي معها، باعتبار المتحكم بها تحول إلى ورمٍ سرطاني في الجسد العربي، يُمثله حزب الله وميليشياته المتطرفة، مسنوداً بسكوت رئيس الجمهورية- الذي يفاخر بالانتماء للمحور الإيراني- عن وجود سلاح ومقاتلين خارج عن سيطرته كونه الرجل الأول، وتملصه من كل موقف يتسبب به أي عامل تحت إطار رئاسته، بأنه رأي شخصي لا يعبر عن تصور الدولة.

يضاف إلى ذلك، عجز الحكومات المتعاقبة عن فرض هيبتها. وأقول هيبتها لأن الهيبة تُفرض ولا تؤخذ. ولغياب منطق الدولة في لبنان وتصاعد القيمة المعنوية والسياسية للميليشيات المسلحة. واعتماد منهجية سياسة الأرض المحروقة وتسيد الاغتيال والتصفيات التي تنفذها جماعات «حزب الله» الإرهابية، بحق من يُخالف مصلحة الجمهورية الإيرانية.

وهذا وصفه بالمعنى الصريح قبل أن يكون إرهابا فهو «عمالة» مهما أجريت عليه محاولات تجميلية. أعتقد أن لدى السعودية ودول الخليج المسببات الكافية لأن تدفعها لوضع لبنان في مستويات دُنيا من الأهمية، وما استندت عليه حين انبرت للصد عنها، ليس وارداً من فراغ، إنما نظير تجربة طويلة من الجحود ونكران الجميل الذي يقابله شريحة من السياسيين اللبنانيين وحواضنهم المؤيدة للأيادي الخليجية.

والأهم من ذلك بكثير، هو وضوح وانكشاف أن المواقف في مناهضة السعودية على وجه التحديد، ليست مواقفاً تفترضها السياسة التي تقتضي فتح كل الأبواب، وأن عدو اليوم قد يصبح صديق الغد، والعكس، لا بل تجاوزت هذا الخط حين تحولت لقناعات شعبية لدى شريحة لا يستهان بها في أوساط الرأي العام اللبناني.

وذلك ما شكل حالة عامة لم ترتضها وتقبل بها الرياض، وأصبحت أحد الأسباب التي أسست عليها موقفها. لكن في المقابل، أتصور أن ما حدث أنتج عددا من الإيجابيات. مثل ماذا؟.توحد دول الخليج على قلب رجل واحد.

وهذا بالمناسبة ليس أمراً شكلياً إنما تُحتمه الأخلاق الخليجية النابعة من إرث وحضارة كبيرة ضاربة في جذور التاريخ، وذلك قد لا يفهمه كثير من بقايا «الفينيقيين والتتار» في الشمال من منطقتنا.

ومن ثم فقد اكتسبت قوة الردع السعودية والخليجية التي جسدتها شعوب الخليج، مزيداً مما يمكن اعتباره تعزيزاً كبيراً للجبهة الداخلية.

ومن ضمن الإيجابيات أيضاً، أن الرؤية أصبحت واضحة للجميع بعد سقوط الأقنعة، وانقشاع الغمة، للإيقان بوجود طابورٍ خامس لطالما اقتات على وسائل إعلام– لا سيما سعودية– إلا أنه وبمجرد امتلاء البطون، ظهر ما كان مخفياً ومبطناً بصرف النظر عن الشكل الجميل للصورة التي يبتسمون من خلالها، بدليل الموقف الصادر عن «وزير إعلام حزب الله»، حفيد من استبدل ديانته مقابل «كيساً من الطحين» إبان الانتداب الفرنسي في سوريا ولبنان.

ومن منطلق كوني إعلامياً غيوراً على وطنه، يهمني في هذا المقام، الدعوة لمحاسبة الفاسدين ممن مكنوا هؤلاء «الأوباش»، على حساب الإعلامي السعودي الوطني، وإلا فإن القادم سيكون أكثر وبالاً وعلينا الرضى والقبول.

لك أن تتخيل يا صديقي أن العلاقات السعودية– اللبنانية، لم تُقطع بشكل رسمي إلا مرتين، الأولى عام 1966م، في عهد الرئيس اللبناني شارل الحلو، حين التزمت بلاده الحياد والنأي بالنفس في مواجهة ما كان يُسمى «مشروع الوحدة العربية» التي مثلها جمال عبد الناصر ومن حوله من العروبيين والاشتراكيين، حيث قرر الملك فيصل– رحمه الله– قطع العلاقة مع لبنان، وهذه هي المرة الثانية، مع الفرق في الأحداث التاريخية.

أعلم أن الأوضاع اللبنانية بعد قرار دول الخليج، باتت تشبه «جمراً تحت رماد»، كالجمر الذي تسلل لداخلي، وقادني للقول.. إن الوقت قد حان لمصارحة النفس ومكاشفتها، على صعيد الدولة والمجتمع، والكف عن المجاملات وتجاهل التأثر بالمسكنة السياسية، والشعارات الشعبوية، والدموع، والبكائيات. والقول لمن ارتضوا بنظام العبودية الحديث الذي يمثله حسن نصر الله بكل صراحة.

مللنا منكم. ومن عنترياتكم.

وبالله صبوا القهوة وزيدوها هيل.. صبوها للنشامى على ظهور الخيل.

احتسوا قهوتكم بعيداً، صحتين، وقفنا المصاري.

حلوا عنّا.