شدد مدير المختبرات والجودة في وزارة المياه والكهرباء (سابقا) الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن المحيذيف، وهو الحاصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة جلاسكو في تخصص تقنية تحلية المياه، على أن مصانع المياه في المملكة كثيرة جدا، وباتت عنصرا أساسيا في استهلاك المواطنين والمقيمين للمياه، كونها تأتي على شكل عبوات في متناول الجميع، ويتم وضعها على الموائد، لكنه أبدى ملاحظة غاية في الأهمية على المياه المعبأة، إذ قال: «تصنف المياه المعبأة من قِبل «هيئة الغذاء والدواء» على أنها غذاء، ولكن بحسب رأيي، فإن المياه المعبأة لا تعد غذاء، لأنها تقع في الحد الأدنى من العناصر ذات القيم الصحية، وبعض المصانع تنتج مياها تنعدم فيها هذه العناصر».

وأضاف د. المحيذيف: «سبب تدني قيمة تلك المياه الصحية أنها تخضع إلى تحلية بتقنية «التناضح العكسي»، حيث تعمل بعض المصانع بما يسمى Double Desalination في وحدة التناضح العكسي بالمصنع، وتنزع تقنية الـDouble Desalination كثيرا من الأملاح، وتم اللجوء لهذه التقنية من أجل التخلص من «البورمات» في حال وجودها، وهي تفاعل كيميائي بين عنصري «البروميد أيون» والـ«أوزون» الذي هو مادة التعقيم، وعند تفاعل الـ«أوزون» مع «البروم»، في حالة وجوده في الماء، ينتج «برسومات»، وهي مادة مسرطنة».

وأوضح: «تعمل هيئة الغذاء والدواء على إجراءات قوية جدا ضد وجود «برومات» في المنتج النهائي لعبوات المياه، حيث تنص الهيئة على وجوب تحضير مياه معبأة خالية من «البرومات» أو وجود «برسومات» بنسبة أقل من 10 أجزاء في البليون، لتكون في حدود المسموح به عالميا. وقد ضغطت الهيئة على المصانع، لكن لم تعطهم طريقة معينة للتخلص من «البرومات»، وإنما تركت لكل مصنع يعمل بطريقته وآليته الخاصة، ومعظم مصانع المياه المعبأة تنزع «البرومات»، إن وجدت، عن طريق الـDouble Desalination، مما يعني أن التحلية مضاعفة عن طريق وحدة التحلية، التي تسمى «تقنية التناضح العكسي»، وبالتالي تنزع بهذه الطريقة الأملاح ذات القيمة الصحية، أو تبقيها في الحد الأدنى، وتعوّض هذه الأملاح عن طريق إضافة الأملاح الصناعية، وليست الطبيعية».


وأفاد المتخصص في تقنية تحلية المياه: «من الخطأ إضافة الأملاح الصناعية إلى المياه المعبأة، لأنها مُصنعة، وعلينا الحذر من نقائها، لأنها مستوردة من الخارج، وأتمنى من هيئة الغذاء والدواء أن تقدم توجيها لمصانع المياه بتعديل هذه الأملاح بمياه طبيعية، فنحن لدينا مياه الآبار، وهي متوافرة، وبها أملاح طبيعية، حيث إن رفع نسبة الأملاح عن طريق مياه الآبار الخام هو الأفضل من الناحية الصحية والاقتصادية».

طريقة صحيحة

حول ما إن كانت هناك طريقة صحيحة لاختيار نوعية مياه مناسبة، قال د. المحيذيف: «لا أستطيع تحديد استخدام منتج معين في الأسواق، ولا فرق بينها، فجميعها تخضع لخط إنتاج موحد في جميع المصانع، وكذلك طريقة إضافة ورفع الأملاح وتعديلها موحدة، ومع هذا، وبحكم أن هيئة الغذاء والدواء هي المسؤولة عن جودة المياه المعدلة، فيجب أن تتدخل وتوجه أو تعمم بإلزام المصانع باتباع طريقة علمية صحيحة مأمونة صحيا.

وفي العموم، لا أنصح بالمياه المعبأة جميعها. كما أعترض على تصنيفها كغذاء، فهي حال تعرضها لأشعة الشمس في أثناء النقل أو التخزين، وعند ارتفاع حرارتها فوق 25 درجة مئوية، تصبح ضارة بالصحة، وهناك طريقة تقليدية لمعرفة ما إذا تعرضت العبوات لأشعة الشمس أو الحرارة، تتمثل في شرب ماء من العبوة البلاستيكية، وعمل تدفئة له داخل الفم، ثم التخلص من الماء، ثم سحب الهواء إلى داخل الفم، فإن لاحظت طبقة دهنية على الشفتين، وتغيرا في طعم الماء، فهذا سببه التحلل الكيميائي الناجم عن تعرض البلاستيك للحرارة.

أما في حال النقل الجيد المبرد، ومع ثبات درجات الحرارة، فلا تتغير جودة المياه، لأن ارتفاع الحرارة يترك أثرا تراكميا مؤثرا على الصحة».

مياه مأمونة

عن المياه المأمونة، أوضح د. المحيذيف: «تعودنا - للأسف - على المياه قليلة الأملاح، وأصبحت مستساغة لدى المستهلك، لكن ليس بالضرورة أن كل مستساغ صحي، لذا فإن مياه الشبكة الحالية، التي تصل لكل مواطن في بيته، تعد أكثر صحية من المعبأة، لكن إذا أردنا الاعتماد على مياه الشبكة، فيجب تنظيف الخزانات الأرضية والعلوية مرة كل 6 أشهر، وهناك كتيبات إرشادية لطريقة تنظيف الخزان، بحيث تستطيع أن ترفع نقطة السحب في الخزان الأرضي تقريبا إلى حدود 30 - 40 سم عن سطح الخزان من الداخل، وبالتالي عند تشغيل المضخة لا يتم سحب العوالق التي بالأسفل.

والتنظيف في غاية الأهمية، لتجنب تلوث المياه، ومشكلة الشبكة في المملكة أن الوزارة تضطر، نتيجة ندرة المياه الصالحة للشرب وقلتها، لعمل جدول توزيع المياه في جميع الأحياء، وأحيانا تصل المياه وأحيانا لا، وهذا التوزيع المتقطع وعدم وجود ضغوط مستمرة داخل الشبكة يسببان ملوثات داخل الخزان.

وللتوزيع سلبياته، ومنها إذا بدأ الضخ على الشبكة تنقل بعض الملوثات الناتجة عن الانكسارات غير الظاهرة، لذا لا بد من تنظيف الخزان كل 6 أشهر، ولا بد من غسل الشبكة الداخلية عن طريق ضخ المياه من الخزان العلوي إلى الشبكة، وفتح جميع الصمامات الموجودة في المطبخ والحمامات والسخانات، لنضمن نقاوة المياه».

غياب الصوديوم

بيّن د. المحيذيف: «مصانع المياه المعبأة تضع على منتجاتها عبارة «خال من الصوديوم»، وهي عبارة تسويقية، لكنها غير صحيحة علميا، فالجسم يحتاج إلى الصوديوم بحدود معينة، وضعتها المنظمات العالمية، فإن زادت أو نقصت بات ضارا.

وتوجد في مياه الشبكة نسبة كافية صحية من الصوديوم، أما المياه المعبأة، فتضع عبارة «خال من الصوديوم»، ولا بد من التوعية بهذا الجانب، وهذا دور الإعلام».

وحول الأفضل بين مياه الشبكة أو التحلية أو الآبار، قال: «مياه التحلية جيدة إذا خلطت بمياه الآبار، ففي مدينة الرياض مثلا يتم خلط مياه التحلية بمياه آبار الوسيع، حيث يتم تعديل الأملاح بخلطها بمياه الآبار الطبيعية، فالخزان الإستراتيجي في آبار الوسيع يصل إلى 3 ملايين من مياه التحلية التي تخلط بنسبة مدروسة ومقننة بمياه آبار الوسيع، حتى يتم تعديل الأملاح في التحلية، وبالتالي تصبح صالحة للشرب، وينطبق عليها تصنيف الغذاء، ولكن المشكلة أن المستهلك بات معتادا قلة الأملاح، وهذا مفهوم خاطئ».

ماء في الزير

يستخدم البعض «الزير» في تخزين المياه وتبريدها. وعن هذا إفاد د. المحيذيف: «ميزة الزير أنه يعمل تهوية، تزيد من الأكسجين في الماء، وهو مفيد جدا، لكن يجب اختيار مادة صناعة «الزير» بطريقة صحيحة، لكي يساعد على تهوية المياه، وبالتالي ضخ أكسجين أكثر، لتصبح صالحة للاستهلاك الآدمي».

وعن منقيات المياه، قال: «محطات تقليل الملوحة الصغيرة التي في البيوت يضعها المستهلك بجهل منه، لإزالة العوالق، لأن فيها فلترا قطنيا ووحدة تحلية (تناضح عكسي)، فينزع الأملاح، وتصبح المياه بذلك قريبة من المياه المعبأة. ومن عيوبها أيضا عند إهمال الفلاتر أنه تتكون بها شوائب ومواد عالقة، تكون مصدرا للتلوث، وعند تعرض هذه الوحدة للشمس، تتكون على الفلاتر مادة خضراء، تكون بيئة خصبة للبكتيريا، فتصبح مصدرا للتلوث، لذا يجب الحرص على تنظيفها الدوري والعناية بها، واستبدال الفلاتر القطنية بداخلها».

وايتات للخصوبة

تأتي بعض العمالة بصهاريج (وايتات) من خارج مدينة الرياض معبأة بمياه الآبار، ويزعمون أن مياهها الأفضل صحيا لخصوبة الرجل، وعنها يقول د. المحيذيف: «نعم، هذا واقع موجود، وسببه للأسف غياب الرقابة على جودة المياه، ويجب على ملاك هذه الوايتات أن يكتبوا عبارة «هذه المياه صالحة للشرب»، وأن يأخذوا ترخيصا من وزارة البيئة والمياه والزراعة، لأن بعض العمالة قد تملأ هذه الوايتات بمياه ملوثة أو مياه آبار غير معالجة، ويجب وضع رقابة مشددة على هذه الوايتات، لضمان نقاوة المياه. لقد تعرضنا لمثل هذه الوايتات، وأخذنا عينات منها، ووجدنا أن التلوث موجود فيها، ويفترض معاقبة مخالف هذه الاشتراطات والضوابط.

«الوايت» ينقل أحيانا مياها نظيفة، لكن لا نضمن أنه ينقل دائما مياها نظيفة، لذلك لا بد من وضع تقنين لهذه العملية، فالعمل الآن بها عشوائي وغير منضبط، وقلة الأملاح ليست معيار جودة، فلدينا أيضا مياه قليلة الملوحة، لكنها ملوثة بالبكتيريا والفيروسات».

فلورايد

تسوق بعض الشركات لوجود «الفلورايد» في مياهها، وعن هذا يوضح د. المحيذيف: «الفلورايد مادة مهمة جدا في مياه الشرب، خاصة للأطفال، لأنها تحمي أسنانهم من التسوس، وقد سبق أن طلبت كلية طب الأسنان تجرّع الفلورايد في مياه الشرب عامة، لكنني قدمت ورقة عمل في ندوة في الكويت حول هذا الموضوع، ذكرت فيها أن تجريع الفلورايد له مخاطر كثيرة».

ويضيف: «التجريع معناه زيادة نسبة الفلورايد في مياه الشرب، وهذه النسبة موجودة في الماء، ولكن أحيانا تكون بنسب قليلة، وقد تكون بنسب مقبولة، وأنا لا أؤيد أن يتم تجريع الفلورايد، خوفا من خضوعها لتشغيل خاطئ يسبب زيادة الجرعة التي تؤثر سلبيا على مياه الشرب.

نحن نستطيع التحكم بنسب الفلورايد عن طريق حبوب Tablets، توضع في مدارس ورياض الأطفال، وتسمى هذه الحبوب في أمريكا وبريطانيا «حبوب فلورايد مقننة»، لحماية الأسنان من التسوس وتقويتها. أما أن تكون متاحة للجميع، فهذا خطأ، صحيا واقتصاديا، إذ لا جدوى اقتصادية من إضافة الفلورايد لاستخدام الجميع، وقد يؤدي استخدامها بشكل خاطئ إلى زيادة هشاشة العظام، وهذه مشكلة، وعلى هيئة الغذاء والدواء تحمل مسؤولية وضع ضوابط واشتراطات لتجريع الفلورايد، وضبط نسب الصوديوم والفلورايد في الماء، ومنع العبارات التسويقية غير المثبتة علميا».

وحول ما إن كان يلقي بمسؤوليات كثيرة على عاتق الهيئة، قال: «هي المسؤولة عن جودة المياه المعبأة في نظامها الأساسي، وأنا أنادي الهيئة بإعادة النظر في مواصفات المياه المعبأة، وإعادة النظر في تصنيف المصانع المنتجة لها كغذاء».

اختلاف الطعم

ثمة فوارق في الطعم بين مياه المدن، وهو ما يبرره د. المحيذيف: «يختلف طعم المياه بين مدينة وأخرى، وحتى في المدينة الواحدة مثل الرياض، فالمياه التي تأتي من مشروع سدير والوشم للتحلية، وتخلط بمياه الآبار المحلية في عملية مقننة، تختلف عن تلك التي تخلط فيها مياه التحلية بمياه آبار الوسيع التي تحتوي على أملاح قليلة، وتغير الطعم ليس دليلا على عدم الجودة».

نصائح للحفاظ على نظافة خزانات المياه

⁃ التنظيف الدوري كل 6 أشهر

⁃ رفع نقطة السحب 30 سم من الخزان الأرضي

⁃ رفع نقطة نزول الماء إلى الشبكة بمقدار لا يقل عن 15 سم في الخزان العلوي

⁃ ألا تكون تهوية الخزان العلوي تهوية رأسية، بل على شكل حرف U مقلوب

ـ وضع شبك على فتحة الخزان، لضمان عدم دخول حشرات أو زواحف، لأن الرطوبة جاذبة للزواحف

ـ الاعتناء بالـFiber Glass والخرسانة المنتشرة الآن في البيوت

بطاقة تعريفية

ـ الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن المحيذيف

- ولد بالرياض في 1379 هجري

- حصل على بكالوريوس الكيمياء العامة من جامعة الملك سعود.

- حصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة جلاسكو في تخصص «تقنية تحلية المياه».

ـ عمل مديرا للمختبرات والجودة في وزارة المياه والكهرباء سابقا

- لديه مجموعة من الأبحاث في مجالات: تنقية وتحلية المياه، والإعجاز العلمي في مياه زمزم، ودراسة بعنوان «الأمن النوعي لمياه الشرب»

- من مؤسسي مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز لسقيا زمزم

- عضو مجلس أمناء جامعة أفريقيا العالمية بالسودان، وشارك في تأسيس مركز أبحاث المياه بالجامعة نفسها

- عضو مشارك في مجموعة من الجمعيات الخيرية واللجان العلمية المتخصصة في المياه وما يتعلق بها

- بعد تقاعده منتصف 2017، تفرغ للعمل الخيري في مشاريع السقيا