تحولت بغداد ليلة الأحد الماضي إلى كتلة من النار، فالطائرات الموجهة، التي تعتبر من أقوى صرعات التقنية في العالم، أصبحت بديلا عن المفخخات الأرضية «من عبوات ومركبات وأجساد بشرية»، التي عرفها أرباب الدم وتجاره من معتنقي الإرهاب الدولي.

كان الهدف رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، الذي أثبت بالدليل القاطع إرادةً ورغبة في نقل العراق من حالٍ إلى حال، وربما بأكثر وضوح من محور إلى آخر.

يصارع الرجل، منذ توليه رئاسة الوزراء، على إجراء عمليات تصحيح للمفاهيم في الأوساط العراقية، ورفع لواء استقلال الدولة بالقول والفعل من التبعية لإيران، وينجلي ذلك من خلال إصراره على نتائج الانتخابات التي أثبتت خسارة كتل سياسية، ولا سيما تلك المحسوبة على إيران، وهو الأمر الذي أتصور أنه كان بمثابة الفتيل الذي اشتعل إلى أن بلغ مرحلة الطائرات المفخخة، واتخاذ قرار تصفية رئيس الوزراء بذاته وشخصه.


فالحشد الشعبي يقف بأزلامه على أعتاب المنطقة الخضراء، وهي أكثر منطقة محصنة أمنيا في بغداد، تعبيرا عن رفضه قتل عدد من المعتصمين خلال تظاهرات رفض نتائج الانتخابات الأخيرة، وهي المسؤولية التي ألقيت على «الكاظمي»، وتعهد قيس الخزعلي، قائد حركة «عصائب أهل الحق»، بالثأر لمن سماهم «الشهداء»، أو كما قال «يا كاظمي سنثأر لدماء رفاقنا».

خرجت النتائج، وقيل ما قيل، واحتشد من احتشد، وقالت الدولة كلمتها عبر رئيس وزرائها، ونتيجة ذلك انبرت تلك الفصائل المتطرفة، بعد محاولة اغتيال الكاظمي، لتبني تصور موحد، ينكشف من خلال تعليق أبو علي العسكري، المتحدث باسم كتائب حزب الله العراق، «بألا أحد في العراق لدية الرغبة في خسارة طائرة مسيرة على منزل رئيس الوزراء»، وأمين عام كتائب «سيد الشهداء» الذي هدد «الكاظمي» بعدم تجديد رئاسته، وأن عليه نسيان العودة لمنصبه السابق قبل تولي رئاسة الوزراء، بينما اعتبرت «عصائب أهل الحق» – التي هدد زعيمها الخزعلي رئيس الوزراء في مقطعٍ مصور - أن الامر مُفتعل، للتغطية على ما وصفته بـ«جرائم القتل» التي حدثت في مواجهات بين متظاهرين ومحتجين على نتائج الانتخابات والقوات الأمنية.

ويكشف التمعن في تلك المواقف الصادرة عن الفصائل المسلحة – وهي بالمناسبة الوحيدة التي تملك طائرات مسيرة – عن أنها عبارة عن محاولة لخلط الأوراق، والتملص من المسؤولية عن الحادث، في أسلوب يشبه أو يتطابق، إلى حدٍ كبير، مع النموذج الإيراني في التعامل مع الأحداث، ولا سيما أن تلك الجماعات محسوبة في الأصل على نظام الولي الفقيه، وهذا ما تضعه كرافعة ومصدر قوة لرفض سياسات مصطفى الكاظمي.

والسؤال: ما هي سياسيات «الكاظمي» التي أغضبت تلك الفصائل؟.

أولا: رؤيته بعدم جدوى انخراطها في العملية السياسية نظير عدم امتلاكها الإرادة السياسية التي تخولها دخول هذا المعترك.

ثانيا: ممارسة تحدي الدولة على الدوام بالسلاح القادم من إيران، الذي يتوازى في قوته مع سلاح الدولة في بعض المواضع، وفي أخرى يتفوق عليها.

ثالثا: عدم الرضا عن امتثالها لأوامر مطلقة قادمة من الخارج، وبالتالي خلق أرضية لتحقيق مصالح «إيران» على حساب المصلحة العليا للعراق.

رابعا: عمله على إخضاعها للقرار السياسي والسيادي العراقي، وانخراطها في صفوف القوات المسلحة العراقية، وهذا سيحرمها بالتأكيد من حرية الحركة، ويقلل من زعامتها الشعبية التي تعتمد عليها طهران بالدرجة الأولى، لتحقيق أكبر قدر من النفوذ والتمدد وفرص التحكم.

أعتقد أن هذه بعض من مسببات عدم الرضا على سياسيات رئيس الوزراء، وما خفي أعظم.

ومن منحى آخر، فالفصائل تعاني حالة من الفرقة والارتباك ما إذا عدنا لمقتل الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، ورفيقه أبو مهدي المهندس، نائب رئيس ميليشيا «الحشد الشعبي» في مطلع يناير 2020، وهو المنعطف الذي ألقى بظلاله على تحالف تلك الجماعات المسلحة وقيادتها، حيث ذكر «الخزعلي» مقتل «سليماني» في مقطعه المصور خلال تهديده مصطفى الكاظمي، بالإضافة إلى الزيارات السرية لإسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس، الذي عين خلفا لـ«سليماني»، المتكررة لبغداد، مما يعد دليلا واضحا على اختلال ميزان تلك القوى، وحدوث فرقة واضحة بعد تلك الحادثة المدوية، وأن ثمة سعيا لحشد الصفوف وتوحيدها، لإعادة الفصائل كمنفذ لأجندة إيران في العراق، كما كان «سليماني» يُسيّرها ويُديرها تارة عن بُعد، وتارةً عن مقربة.

وبالعودة لرئيس الوزراء، الذي أجزم أن إحدى أبرز معضلاته في مواجهة تلك الجماعات ترتكز على رغبته في إعادة العراق لحضنه العربي، وانفتاحه على دول الاعتدال، فيمكن البحث بما أدلى به على مواقع التواصل الاجتماعي بعد الهجوم على منزله.

قال الرجل: «صواريخ الغدر لن تثبط عزيمة المؤمنين، ولن تهتز شعرة في ثبات وإصرار قواتنا الأمنية على حفظ أمن الناس وإحقاق الحق ووضع القانون في نصابه».

وفي ذلك عدة رسائل.. ما هي؟.

قوله «صواريخ الغدر» يحتوي على إشارة للسلاح القادم من الخارج، ومن ثم فمعنى «ثبات وإصرار قواتنا الأمنية على حفظ أمن الناس» تلميح إلى أن هناك طرفا معروفا يُهدد ويقوض أمن المجتمع بالاستكبار بقوة السلاح الإيراني.

أما «وضع القانون في نصابه»، فتلك رسالة واضحة للمتظاهرين والفصائل المسلحة الغاضبة من نتائج الانتخابات البرلمانية بألا مناص من اعتمادها مهما تبلغ المناورات ولغة السلاح ما بلغت.

إن محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي هي بمثابة انقلاب على الثوابت، ومحاولة لإعادة الدولة لعهود التشظي والقتل على الهوية والمذهب، وذلك تحقيق لأول البنود في الأهداف الإيرانية القائمة على نشر «الفتنة المذهبية الداخلية»، التي ستقود لإحراق العراق، وإعادته بلا جدال للمربع الأول.

أخيرا.. حتما إنه لو حققت هذه المحاولة الغادرة أهدافها، فلا خيار إلا أن تكون بلاد الرافدين أسيرة لحالات اعتادتها مثل التصعيد، والاحتقان، والتجاذبات الطائفية، والقتل على الهوية، والتصفيات السياسية.

لذا حاول الخونة أن يغتالوه من السماء. بنعوش الموت الطائرة.

هو لوحده.

هُم كُثر.

كان الشيطان معهم.

والله معه.