خلال الأيام الماضية اهتمت وسائل الإعلام بنبأ توجيه خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز، بإجراء عملية جراحية لفصل التوأم السيامي المصري سلمى وسارة عبدالغني هلال، استمرارا لما تفردت به المملكة خلال العقود الماضية من تقديم هذه الخدمة التي لا تتوافر في دول المنطقة، لما تتطلبه من إجراءات طبية معقدة، وأجهزة متطورة، وكوادر طبية على مستوى عال من التأهيل، ونفقات قد تصل إلى ملايين الريالات.

ومنذ بدء أول عملية من هذا النوع بالمملكة في 31 أكتوبر 1990، فاق عدد العمليات التي تم إجراؤها حتى اليوم 50 عملية، تكللت جميعها بالنجاح والحمد لله، وتوزعت جنسيات الذين استفادوا من هذه الخدمة بين جميع القارات، فمنهم أوروبيون وأفارقة وآسيويون.

ما يثير الإعجاب هو أن تقديم هذه الخدمة المتفردة لم يرتبط بأي شروط أو اعتبارات دينية أو سياسية، بل كانت الإنسانية المحضة هي الدافع الأكبر والعامل الرئيسي، وهو ما كان له أثر إيجابي كبير، ليس على المملكة فقط، بل إن إجراء عملية فصل التوأم السيامي الكاميروني فنبوما ووشفوبو، في يوليو 2007، كان سببا في إسلام قرية كاميرونية بأكملها، بعد أن شرح والدي التوأم لأقاربهما ما حظيا به من عناية، ووصفا طريقة التعامل الإنساني التي وجدوها، فكان ذلك سببا رئيسيا في هدايتهم.

مثل هذه الأعمال لها وقع شعبي كبير، لأنها تلامس الشعور الإنساني لقطاع كبير من الناس بصورة مباشرة، وتمتاز بسرعة تأثيرها، وقدرتها على تشكيل رأي عام إيجابي. وإن كانت شركات العلاقات العامة تعين الدول والمنظمات على تكوين صورة إيجابية عنها عبر حملات إعلامية ودعائية منظمة، فإنها ليست بالكفاءة نفسها التي تؤديها مثل هذه المبادرات العفوية، لأنها في الآخر حملات مصنوعة ومدفوعة الثمن، وليست تلقائية.

هذا الدور نفسه يمكن أن يقوم به طلابنا المبتعثون في الخارج إذا أدركوا قوة ما يمتلكونه من أدوات مؤثرة، فبإمكانهم استغلالها في تصحيح الصورة النمطية التي تحملها المجتمعات الغربية عن العرب والمسلمين بشكل عام. وقد رأينا، قبل سنوات قلائل، الصدى الإيجابي الكبير الذي قابل به المجتمع الأمريكي استشهاد المبتعثين السعوديين جاسر آل راكة وديب اليامي، اللذين كانا يدرسان الهندسة بجامعة ويست نيو إنغلاند بولاية ماساشوستس، خلال إنقاذهما طفلين من الغرق في يوليو 2018.

ومما يعزز فاعلية هذه التصرفات العفوية أنها تكتسب اهتمام وسائل الإعلام الغربية، التي تركز على القصص الإنسانية، وتمنحها حيزا كبيرا، وتسلط عليها الأضواء. لذلك، فإن آثارها لا تزول بسهولة، بما يؤدي في الآخر إلى تقديم صورة حضارية مشرقة عن بلادنا وديننا.

لذلك وجدت تلك الحادثة صدى كبيرا وسط المجتمع الأمريكي، ودفعت الرئيس الأمريكي السابق إلى توجيه شكره للفقيدين، بل إن إدارة الجامعة أطلقت اسميهما على أكبر قاعاتها الدراسية، وهو ما علق عليه البعض بالقول إن ما فعله جاسر وديب (رحمهما الله) في دقائق معدودات تحتاج البعثات الدبلوماسية إلى سنوات حتى تقوم به. لذلك، منحهما خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان، وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى.

أكرر هنا ما سبق أن أكدته مرات عديدة بأن بحوزتنا أوراقا عديدة نستطيع عبرها إنجاز أهداف ضخمة باستخدام أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية الشعبية، مع ضرورة التمييز بين الاثنين، فإن كانت الأولى تستخدم بواسطة الدول والحكومات في تحقيق مكاسب معينة بوسائل سلمية، فإن الثانية هي أفعال عفوية يقوم بها أفراد المجتمع بصورة رئيسية، وتشترك الاثنتان في قوة التأثير وسرعته.

حتى في مجال التعامل التجاري، يمكننا تقديم خدمة كبيرة لبلادنا ومجتمعاتنا، فكتب التاريخ تخبرنا أن التجار المسلمين كانوا عنصرا رئيسيا وراء انتشار الإسلام في كثير من دول العالم، بعد أن كسبوا ثقة من يتعاملون معهم بأمانتهم وصدقهم وحسن تعاملهم.

ختاما، فإن ما ينقصنا فقط هو تركيز الاهتمام على هذا الجانب، وتعزيز أهميته وفاعليته، ليس بتحويله إلى فعل منظم يفتقد للتلقائية والعفوية، ويندرج تحت دائرة القوة الناعمة، إنما بتشجيع الناس على القيام به، ولفت أنظارهم إلى أنه جزء رئيسي من ثقافة مجتمعهم، وعنصر أصيل في دينهم.