بينما تبذل الدولة جهودا كبيرة لتشجيع ريادة الأعمال، وحث الشباب السعودي على الانخراط في هذا المجال، الذي يمثل أهمية بالغة لتطور الاقتصاد باستخدام الموارد الطبيعية المحلية، وقدرته الفائقة على إيجاد فرص وظيفية متميزة، نجد أن بعض الجهات لم تتخلص بعد من أساليب الروتين والبيروقراطية، وتتسبب بسياساتها، التي لم تواكب المتغيرات التي يمر بها الوطن، في إفشال تلك الجهود، وتنفير الشباب من العمل الحر، وإعادتهم مرة أخرى لصفوف البطالة، وانتظار الحصول على وظيفة.

بدءا ينبغي الإشارة إلى أن معظم الدول ذات الاقتصادات المتطورة مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة استطاعت تحقيق مقدار كبير من النهضة والنماء بعد أن اعتمدت، بشكل كبير، على قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة. تلك الدول اتبعت سياسات تشجيعية موسعة، لدعم تلك المؤسسات، ومساعدتها على البقاء بالسوق، والاستمرار في المنافسة، ومنحتها كثيرا من الإعفاءات الضريبية والرسوم الحكومية، ومزايا تفضيلية أخرى.

هنا في المملكة، سارت الدولة في هذا الطريق نفسه، وأقرت سياسات مماثلة، لتشجيع رواد الأعمال مثل توفير التمويل عبر بنك المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، الذي أنشئ خلال الفترة الماضية، وتوفير دراسات الجدوى الاقتصادية عبر الغرف التجارية، بالإضافة إلى فرص التدريب وبرامج الإدارة المالية وغير ذلك. كما بذلت جهودا ضخمة للقضاء على آفة «التستر التجاري»، التي تتسبب في تضييق الفرص على الشباب، وتحرمهم من فرصة المنافسة الشريفة.

لكن للأسف، فإن بعض الأجهزة الحكومية لم ترتق بمفاهيمها لهذا التوجه، ولم تستوعب الغايات النبيلة التي أقرت لأجلها، فأتخذت العديد من الإجراءات المرهقة لأصحاب تلك المشاريع مثل الغرامات الباهظة، بالإضافة إلى فرض رسوم مرتفعة لا قِبل لهم باحتمالها، عطفا على قلة مواردهم، والتكاليف التي تكبدوها لتأسيس النشاط.

ومع التسليم بضرورة الانصياع للنظام، وعدم ارتكاب المخالفات، حتى ولو كانت بسيطة، إلا أنه ينبغي في تلك الحالات تطبيق «روح النظام»، وليس التقيد بـ«حرفية النصوص»، فالغرامات لم تشرع في الأساس للتشفي والانتقام، لكنها وسيلة لفرض الانضباط، فحتى القانون يسمح في كثير من الحالات بعدم إيقاع الغرامات، والاكتفاء بالتنبيه والإنذار.

وتزداد المعاناة وترتفع علامات التعجب إذا علمنا أن أصحاب كثير من تلك المشاريع يواجهون معاناة كبيرة، حتى في حالة رغبتهم في الخروج من السوق، وتقديم طلبات لإلغاء التراخيص والسجلات التجارية!!.

ولمواكبة ما نادت به «رؤية المملكة 2030»، من القضاء على الروتين والتعقيد وتقليل الإجراءات، ودمج العديد من الجهات الحكومية، لاختصار المعاناة وتقليل الزمن، فإن المطلوب هو إحداث تغيير شامل في تلك الإجراءات، فإذا كانت الدولة تسعى لاجتذاب الاستثمار الأجنبي، وتبذل جهودا مقدرة في هذا الشأن، فإن شبابنا أولي بتلك المعاملة، وأجدر بالنظر إليهم بعين الاعتبار.

الحل، من وجهة نظري، يكمن في إعادة النظر في مبالغ الرسوم والغرامات، خصوصا المتعلقة بالبلديات ومكاتب العمل، وتقليل وقت المراجعات الإدارية، التي تستنزف كثيرا من الوقت، وتحرم رواد الأعمال من الانصراف لتطوير أعمالهم، وتفعيل الحماية التجارية التفضيلية، وزيادة مساحات الإعفاء من الضرائب، خاصة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، حتى يتسنى لرواد الأعمال تطوير أعمالهم، ومن ثم تكون لهم القدرة على الإيفاء بكل المتطلبات.

أما الرسوم والغرامات والمخالفات، فهي بمثابة الحكم على أعمالهم بالفشل المبكر، ودفعهم بطريقة غير مباشرة للخروج من السوق، وقتل روح الإبداع والحماس في دواخلهم، بل إن البعض يجد نفسه مضطرا لتجاوز الأنظمة ومخالفتها إن أراد الاستمرار.