(العقل الحديث) ليس سجادة تطير بالسندباد فهذه حكايا لعقول الأطفال، بل العقل الحديث في حقيقته هو (عقل رشيد) مليء بتراكمات علمية على مر التاريخ أوصلته إلى صناعة طائرة تحمل مئات البشر بوزن يتجاوز الثلاثمائة طن (ثلاثمائة ألف كيلو جرام) تطير في الهواء وتحط في كل مطارات العالم كوضع تلقائي لا يذهل العقل الحديث أبدًا، بينما سيتوهم (العقل القديم) أن هذا نوع من المعجزة أو السحر الأسود، وبهذا المعنى فالعقل القديم ليس قديمًا بمعنى أنه ممتد عبر الزمن، بل بمعنى أنه عقل يفسر كل شيء بالخرافة والأساطير، أي أنه عقل صغير جاهل قياسًا إلى عمر الإنسانية على هذا الكوكب، فلو افترضنا عمر الإنسان العاقل ثلاثين ألف سنة حتى الآن، فمعنى ذلك أن عقل الإنسان قبل عشرين ألف سنة ليس إلا عشرة آلاف سنة، ولكننا نصفه بنظرتنا للخلف بأنه بعيد عنا (للوراء) كمن يتذكر وهو في السبعين صورته وهو طفل فيقول (صورة قديمة) ولا يقصد بها أن الطفل الذي فيها أكثر نضجًا منه الآن، بل يقصد أنها قديمة بالنظر إلى سبعين سنة للوراء، ولهذا فالعقل الحديث هو أكمل من عقل اليونان والإغريق بل إن أرسطو وأفلاطون ليسا سوى طفلين فارغين من المعرفة تمامًا تمامًا مقارنة مثلًا ببرتراند رسل، فما يعلمه رسل أو حتى كارل بوبر عن الإنسانية والكون أوسع مما حوته كل حضارات الإنسانية قبل خمسمائة سنة، فالمعارف والعلوم قبل خمسة قرون لم تصنع فارقًا (علميًا) بل إن الارتباط (الأعمى) بين الموقف الطبيعي والموقف العلمي بقي مستمرًا طيلة التاريخ الإنساني، حتى بدأت الإمكانات العقلية في التمييز بين (الموقف الطبيعي) و(الموقف العلمي) تظهر على يد أمثال فرانسيس بيكون، وما قبل ذلك كان مزيجا من التداخلات (السهلة) التي تراها في بعض كتب التراث تخلط بين (الذات في الطبيعة) و(الموضوع في العلم) لترى الكيمياء في السحر، والفلك في التنجيم... إلخ.

أخيرًا (العقل القديم) عقل طفولي، فعقول أجدادنا قبل قرنين أو ثلاثة أو عشرة قرون ليس إلا عقلا طفوليًا مقارنة بعقل أبنائنا الآن، والسبب ليس عائدًا لمهارات خاصة في عقول الشباب الآن، بقدر ما هو تراكم (الإمكانات العقلية عبر التاريخ الإنساني) على هذه الأرض، مما يجعل ابن هذا الزمن يشمئز من فكرة وجود بشر لهم أسواق نخاسة كأسواق الدواب تمامًا، يكفي أن يضحك أحدنا عندما يدرك أن طفل المرحلة المتوسطة الشغوف بالرياضيات يعرف ما لا يعرفه أرخميدس ولا يعرفه طاليس.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن كل قيادة سياسية شغوفة بالشباب وتعشق الانتماء لزمن الشباب، فهي تعيش ثورة بكل ما تعنيه الثورات من معنى، دون أن تحتاج إلى طبيعة الثورات في الهدم الأناركي، بل إن الانتماء لزمن الشباب سيدفن بهدوء واتزان (العقل الطفولي/‏القديم) منتميًا للعقل البشري التراكمي عبر التاريخ الذي أخذت به كل الدول العظمى من الصين واليابان شرقًا إلى أمريكا وكندا غربًا، وعلى الشباب احتمال صراخ النائحة على العقل القديم، وما أكذب (النائحة المستأجرة) التي تولول بالصراخ عن التغريب وخطره وهي تهدي لأبنائها الجوال مع النت المفتوح على العالم، فإما أنها حمقاء لا تدرك هذا التناقض أو تعاني الفصام/‏فشل في تمييز الواقع.

سيبويه مجرد طفل بجوار تشومسكي، الهمذاني صاحب المقامات مجرد طفل بجوار نجيب محفوظ، جابر بن حيان وابن الهيثم والخوارزمي مجرد أطفال بجوار أحمد زويل، ابن سيناء في الطب مجرد طفل بجوار مجدي يعقوب، أفلاطون مجرد بربري متوحش بجوار إبراهام لنكولن في قضية استعباد البشر، هل في هذه الأمثلة ابتسار مخل؟ فليكن، لعل سؤال الحضارة يصبح أكثر حياة وحرارة ونضجًا في (القلوب والعقول المراهقة) التي استنزفت نفسها في (شعبوية فكرية) باسم الهوية والأصالة، ولهذا فمن حقنا أن نعادي هذين المفهومين (الهوية والأصالة) إذا تحولت إلى (طوطم ووثنية قديمة) يسميها الإثنوغرافيين (عبادة الآباء)، فهل نسينا بداية الشرك إذ كانت في تقديس الصالحين حتى صنعوا لهم تماثيل ثم عبدوها، وما أسهل هدم هذه الأصنام، لكن من يهدم من صنعوا تماثيل الكتب من مؤلفات الناس، التي جاءت بعد الكتب السماوية فربطوها بالوحي واستلهموا منها دينهم ولهذا ورد أنه (جاء إلى عيسى بعض الفريسيين والفقهاء من القدس وقالوا: لماذا يخالف تلاميذك التقليد الذي فرضه الشيوخ، فلا يغسلون أيديهم قبل أن يأكلوا، فأجابهم: ولماذا تخالفون أنتم وصية الله لكي تحافظوا على تقاليدكم... يا منافقون! كان إشعيا على حق لما تنبأ عنكم بقول الله: هذا الشعب يكرمني بشفتيه، أما قلبه فبعيد عني، يعبدني عبادة هي بلا قيمة، والعقائد التي يعلمها هي وصايا من تأليف الناس).