حين وقفت أستعرض آثار النوبة متطلعا إلى معبدي أبوسمبل المنحوتين في جوف الجبل، متأملا معابد فيله ومتخيلا المياه وقد ابتلعت هذه الآثار أحسست حسرة شاملة تملأ نفسي وتدفعني إلى التشبث بهذه الآثار، وراودني ما يشبه الحلم الأسطوري، وتراءى لي وأنا موزع النفس بين عالمي الصحوة والغفوة أن يداً عملاقة تندس في أعماق التربة وتزحزح هذه المعابد الشامخة من مرقدها وتصعد بها إلى قمم الجبال حولها، وتترك لمياه السد مكانا تتماوج فيه على هواها.

ومع ثقتي في أن حكومتنا مشغولة بهموم فك قيود الفقر عن ملايين المواطنين بما لا تحتمل معه أن توفر من مالها وطاقتها المحدودين ما ينقذ للبشر تراث أسلافهم، أخذت نفسي تسترجع ذكريات فترة أثيرة من حياتي حين أمضيت ما ينوف على سنوات ثلاث أعمل ملحقاً حربيا بباريس كنت أتابع خلالها بشغف وإعجاب نشاط منظمة اليونيسكو الوليدة، والتي كانت تشغل وقتذاك مبنى قريبا من سفارتنا، مؤمنا إيمان المتفائل بما يمكن أن تحققه هذه المنظمة السامية الأهداف من خير للبشرية في ميادين الفن والثقافة والجمال.

وتساءلت بيني وبين نفسي هل يمكن لليونيسكو أن يكون لها دور في إنقاذ آثارنا؟ فقد رسخ في يقيني أن هذه المنظمة التي ينص ميثاقها على السهر على صيانة الآثار الفنية ذات الأهمية التاريخية هي الباب الوحيد المتاح الذي لا مناص من أن نطرقه أملا في إنقاذ تلك الروائع على الصعيد الدولي، فهي القادرة على تفهم المخاطر الجدية على هذا المستوى من الرصيد الثقافي للإنسانية.

وإذ كنت وقتها أعيش في عذاب القلق الذي يبعثه الإحساس بمواجهة «المستحيل» تساءلت لماذا لا نمنح المستحيل فرصة كي يصبح محتملا.. أو أملاً؟K فعزمت على أن أتصل لساعتي بمدير منظمة اليونيسكو لأستوضحه الرأي وأشركه معي فيما أتردى فيه من حيرة، علي أجد عنده ما ينقذني منها، وأعلم منه مدى العون الذي تستطيع المنظمة أن تمنحنا إياه فيما إذا قدر لنا أن نأخذ في إنقاذ هذه المعابد.

وإذا بي أعلم أن مساعد المدير العام لليونيسكو المسيو رينيه ماهيه موجود في أديس أبابا فاتصلت به لتوي ليلقاني في طريق عودته إلى باريس، فحدد لي موعدا في مطلع شهر يناير 1959 ليلقاني بالقاهرة بين موعد طائرتين نظرا لارتباطه بالتزام رسمي في اليوم التالي بمقر المنظمة في باريس.

استقبلته بالمطار في الثامنة مساء لأصطحبه إلى مكتبتي بقصر عابدين، وكنت قد أشرت بإعداد خريطة ضخمة لمجرى النيل من وادي حلفا جنوبا حتى أسوان شمالا مبينا عليها المعابد السبعة عشر المنتثرة على ضفتي النيل لتكون تحت بصره. وكذا عرضنا صوراً فوتوغرافية مكبرة بارتفاع الحائط لكل معبد على حدة كي تكشف له عن أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه منظمة اليونيسكو إذا ما شاركت في تنفيذ مشروع قد يغدو أعظم إسهاماتها في الميدان الثقافي.

مضيت أشرح له قضية إنقاذ آثار النوبة، وكنت شديد القلق بينما أقترح عليه أن تعد منظمة اليونيسكو حملة دولية لإنقاذ هذه الآثار تجمع فيها المساهمات المادية والعلمية التي لم أشك في أن الهيئات الثقافية في العالم ستبادر بتقديمها، موضحا له استعداد حكومة مصر لتحمل نصيب مناسب في هذه العملية الإنشائية التي تفوق الخيال.

وكان مما آثار حماسته وإقناعي له بأن مقترحاتي هذه تكاد تكون بمنزلة «هدية» إلى اليونيسكو تذيع معهاـ لو أنها تبنتهاـ شهرة المنظمة لتتطرق إلى وجدان كل فرد من أفراد البشر. ثم هي لا شك سابقة للمنظمة سيكون لها ما وراءها.

وهذا ما حدث فعلا إذ ما كادت منظمة اليونيسكو تفرغ من هذا المشروع حتى شاركت في غيره. ودارت المناقشة ساعات ثلاث، وإذا هو يبعث في نفسي الأمل حين همس في أذني بالمثل القائل: إن الحياة إلى زوال ولكن الفن خالد.

فعقبت عليه أقول: ولكن ألا ترى أن أسلافنا كانوا يؤمنون بأن الحياة والفن متلازمان لا بقاء لأحدهما إلا ببقاء الآخر؟ وبتلك النظرة من السلف إلى الفن نتقدم إلى اليونيسكو بهذا المشروع الذي هو أكبر من أن تضطلع به دولة بمفردها، لا سيما وهي تمر بفترة تنمية تواجه فيها هموما أساسية ينبغي عليها تذليلها، وليس أمامنا غير التعاون الدولي. وحين وجدت منه استجابة لما عرضت وإحساسا منه بمخاوفي ردت إلي طمأنينتي.

ولقد قدرت له قلقه هو الآخر على ضياع تلك الآثار في غمرة الغرق وإيمانه بضرورة مد يد المنظمة لتشارك في تحقيق الأمل. هنا أيقنت أن العناية الإلهية وحدها هي التي أتاحت لي أن ألقي هذه الشخصية التي تجمع بين الود الصادق والفكر الثاقب.

لقد غمرتني فرحة أيما فرحة حين وجدت منه ذلك الاستعداد المبدئي للمشاركة. ليس ذلك فحسب بل إنه بداـ تواضعاً منه- وكأنه الشاكر لا المشكور، وكأنه في هذا يردد قول الشاعر:

شكرا لك يا أخي إذ منحتني دفء أخوتك

شكرا لك إذ أزكيت شجاعتي بثقتك

شكرا ليس فوقه شكر، إذ أتحت لبرهة من حياتي أن تنبض بحلم كبير

شكرا لك إذ هيأت لي فرصة مساعدتك.

1990*

*وزير الثقافة المصرية الأسبق " 1921 - 2012"