في مواقف بقالة على إحدى الطرق البرية الطويلة، توقف «شاص» حديث الموديل ونزل من مقعد الراكب مسن ثمانيني، وإذا بهذا الشاص يتحرك إلى محطة الوقود فظن صاحبنا أن المركبة آلية القيادة لأنه لم ير من بداخلها وهو يقوم بقيادتها، وإذا بتلك المركبة تتوقف ويترجل منها طفل في الـ9 من عمره، ويخاطب عامل الوقود بنبرة رجولية بأن يعبئ بهكذا ويفعل كذاك، وينتهي من التزود بالوقود لهم بإحضار المركبة مرة أخرى بالقرب من والده الثمانيني، ليحمل الابن والأب أغراضا لحياتهما في البادية، ويمضيان ليكملا حياتهما. ولكن صاحبنا لم يمض ليكمل حياته «مثل الناس»، فبدأ في مراقبة البقية، بل وتذكر منهم في ذلك العمر ممن حوله في المجتمع، فكان مختصر تلك الرقابة ما قاله المستشار التربوي د. إبراهيم الخليفي أثناء استضافته في أحد البرامج للحديث عن تدني المستوى الدراسي للطلاب، فقال إنه قد رد على أحد «المتفشخرين» بقوله: «هل تعلم أنكم أغبياء، أغبياء لأن (الواسطة) لديكم شائعة، ولا (يطيح لكم طايح) ابنكم لا يتألم لا بحادث مروري أو في دراسة أو غيرها، فورا تتدخلون للإنقاذ، ونسيتم أن من لا يتعرض للتحديات لا ينمو لديه التفكير والقدرة العقلية والمعرفية، (أنتم عيالكم ماعندهم عوائق)، ميسرين لهم كل شيء، فتكون النتيجة أنه (مدمغ)، بمعنى محدود الفكر».

واصل د. الخليفي حديثه بكلمة هي ما أقصدها، إذا قال: «أي إنسان أزيلت عنه الحواجز لن يستطيع القفز، لذا يضطر أن يمر من تحت الحاجز»، وهذا وللأسف ما بدأ يتفشى في تربيتنا لبناء الأمة وشباب المستقبل، فبالمقارنة بين شابين يعيشان نفس الظروف وفي نفس القرية تقريبا، ويدرسان بالصف الأول الثانوي، الأول والده ميسور الحال ويملك أسطولا للشاحنات، وابنه هذا يستطيع القيام بما يقوم به والده من تنقل بالشاحنات ومساومة في البضاعة ونقلها مئات الكيلومترات وهذا تحضيرا له ليعمل بنفس المجال بمجرد وصوله للسن القانونية للقيادة، بينما زميله يعيش في أسرة ضعيفة الحالة المادية نوعا ما، ومع ذلك يمتلك ابن هذه الأسرة الضعيفة جوالا بعدة آلاف وسيارة حديثة، وأخوه الذي سبقه متخرج ولم يبحث بجدية عن عمل وهكذا، بينما الشاب الآخر تجده جلدا متحملا بل ومتميزا دراسيا.

ما أريد قوله، إننا نحن من صنعنا من أبنائنا «عاهات» على أنفسهم بتوفير كل شيء لهم حتى ضعفت عضلاتهم الجسدية والفكرية، فذلك الطفل من البادية مع والده ليس لديه «خمس أياد» أو «ثماني أرجل» بل هو في التركيبة الفسيولوجية مطابق تماما لذلك الشاب «العاهة»، ومع ذلك خرج كل منهم بصفة مختلفة وسيبقى هكذا في حياته الزوجية والعملية و... و... الخ، ومع ذلك ما زلنا نستحدث ابتكارات جديدة في علم «فنون صناعة جيل الضعفاء».