في نظري البسيط والمتواضع؛ لا يُمكن لأي دولة في الأرض، التفاوض مع الجمهورية الإيرانية المجاهرة بكونها رأس حربة محور الشر في منطقة الشرق الأوسط، باللغة التي تفرضها السياسية والدبلوماسية؛ والوصول بالتالي لنهاية مرضية.

حتما هذا غير مُثمر. وحتى يصل أي مفاوض أو أي دولة لنتائج ملموسة، توقف هذا الغول المتطرف عند حدٍ معين، يجب أن يكون «الفرد» على الطاولة،والفرد يعني «المسدس» بلغة المحور العربي المنزوي في إطار مشروع ولاية الفقيه، الذي أحب دائمًا استخدام مفرداته؛ من باب التهكم والازدراء. المهم أعني بالمفهوم الكبير لذلك الفرد، «الخيار العسكري».

فالعالم مؤخرًا تحول لقاعات مغلقة في الغرب والشرق تزدحم بالمفاوضين. والتهديدات تحوم في سماء المفاوضات التي تشهدها تلك القاعات. تارةً من تل أبيب، وأخرى من واشنطن. لكن الذي استوقفني هو الرأي الذي أبداه الاتحاد الأوروبي، والذي يتضح عليه كثير من الاستياء الناتج عن المفاوضات مع إيران بشأن ملفها النووي؛ حيث قال مؤخرا في بيان «إن المفاوضات مع إيران تتجه سريعًا إلى حائط مسدود».


وهنا أعتقد أن الدول الأوروبية التي عبّرت عن رأيها، باتت تستشعر أنها قد حملت على عاتقها ورقةً فاشلة، أو ولدت ميتة، وهي التفاوض مع رأس الأفعى، الذي أفضى لإعطاء طهران ما لا تستحق، وفتح لها المجال لرفع منسوب تخصيب اليورانيوم.

أتصور أن مسارعة دول الاتحاد الأوروبي للقبول بالمفاوضات مع إيران كان يراد منه البحث عن مساحة لرأيها ووجودها السياسي وخلق ثقل لمواقفها، مقابل الدول الكبرى. ومن خلال ذلك الموقف يتضح وينجلي خطأ استراتيجي ارتكبته معظم دول أوروبا ممن وافقت على التحاور مع الجمهورية، بُني على عدة أمور، الأول: عدم الانصات للرأي الراجح القادم من دول الاعتدال المعروفة بالمنطقة وعلى رأسها «المملكة العربية السعودية»، الذي يرى بأن التفاوض مع إيران غير مُجدِ؛ وهي موغلةً في تخريبها. والأمر الثاني: «الخديعةً الكبرى» التي تم ارتكابها من قبلها ضد دول يفترض أن تكون محسوبة في خانة الحلفاء، حين لم يتم دعوة دول الاعتدال، أو حتى إبلاغها عن ذلك الحوار؛ على رغم أنها أكثر دول المنطقة تضررًا من منهجية ولاية الفقيه.

أعتقد أن الانتقائية الغربية تلعب دورًا كبيرًا في الملف الإيراني الذي يفترض أن يكون ملفًا جامعًا لإرهابها الكُلي الذي يستحيل تجزئته، من خلال إدراج الصواريخ البالستية الإيرانية والطائرات بدون طيار – التي يستفيد منها أذرعتها التخريبية في المنطقة كبعض الميليشيات العراقية وجماعة الحوثي الارهابية في اليمن – ضمن أوراق التفاوض في سلةٍ واحدة إلى جانب ملف البرنامج النووي. ويجب القول بأنه بات بالضرورة توقف الدول الأوروبية عن القيام بدور «محامي الشيطان»، ويترجم ذلك حين رفضت وعارضت خروج الولايات المتحدة الأمريكية من هذا الاتفاق إبان حقبة الرئيس السابق دونالد ترامب، وهذا ما يؤكد ويثبت فشلها في إدارة ملفٍ بالغ الحساسية كهذا.

وعلى هذا الأساس، عليّ وعلى الجميع فهم وإدراك الخطأ الأوروبي الاستراتيجي الذي وقعت به دول الاتحاد، من باب البحث عن ثقل سياسي، على حساب ملف مفاوضات يهم العالم أجمع، بل ويشكل خطرًا كبيرًا على البشرية. خلاصة قولي بعد كل ذلك؛ أن طاولة المفاوضات لن تجدي نفعًا مع طرفٍ يعمل على تكريس الكراهية ونبذ الآخر ونشر التطرف والطائفية المقيتة، ويرى أن تلك سياسة ناجحة تمنحه الاستمرارية والبقاء؛ وما شعار «الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل»، إلا نموذجا بسيطا في منهجية كبيرة يسير وفقها نظام ولاية الفقيه، الذي وبكل أسف مُنح «قُبلة حياة» بمجرد الجلوس معه على طاولة مفاوضات تحتوي أعلام عدد من الدول الأوروبية. فالجلوس مع دولة تنتهج تصدير التخريب والإرهاب كإيران، يُشابه بشكل كبير الموافقة على حمل ملفات تحتوي على أوراق، للتخاطب أو التحاور مع تنظيمٍ إرهابي كـ«تنظيم القاعدة، أو تنظيم الدولة» «داعش، أو جماعة الحوثي – أو حزب الله اللبناني».

فكراهية الغرب والإنسانية أجمع؛ نقطة تجتمع عندها محاور التطرف «إيران – القاعدة – داعش – حزب الله – حوثي اليمن».

أتصور أن المفاوضات التي وصلت لطريق مسدود وفقاً للوصف الأوروبي، تعني عودة للمربع صفر، وعلى هذا الأساس يجب أن يتم التفكير بوضع جميع الاخطار التي تشكلها الجمهورية الإيرانية على الطاولة، وربطها بالملف النووي والتوقف عن تفكيكها، بما يحقق خدمات كبرى وجليلة للمحور الإيراني، الذي أثبتت الوقائع والأحداث أنه يمثل التحدي الأول والكبير لاستقرار منطقة كمنطقة الشرق الأوسط. إن الأخطاء الأوروبية التي انجلت وانكشفت حقيقتها في ملف التفاوض الإيراني؛ وأنتجت رؤيةً غربية بأن الجلوس للحوار مع دولة كإيران أمر غير مُفيد، كشفت لنا كجمهور متابع مُحب لأوطانه؛ أن هذا الجبان يُشبه ذاك؛ في الخديعة والتلاعب والقفز على التحالفات الكبرى، التي يفترض أن تقوم على المصداقية والوضوح. الفرق بينهما فقط؛ في اللغة والمفردات المصلحية. وهذا ما لا نُجيد التعامل والسير وفق هوامشه.

فالشجاع ونحن كذلك، شخصٌ يُقرر الإقدام. والجبان شخصٌ طالما يقرر التراجع. لا بأس تراجع. اللي يودي ما يجيب. مع السلامة.