التغيير هو سقيا المجتمعات ليستمر نموها، هو السمة التي سن الله عليها الأرض وجعلها أساسا لتطورها، وهي الظاهرة الصحية التي تجعل الحياة في تطور وتحسن مطرد، يمنح المجتمعات صلاحية البقاء من خلال اللحاق بركب المتغيرات الشاملة التي تمسح بيد تحولاتها على رأس الكوب ككل، رغم وجود تبدلات متباينة تمنح كل مجتمع تحولاته التي تناسب زمانه ومكانة ومعتقداته الدينية والمجتمعية.

وإذا كان التغيير بصمة الحياة على الأرض، فالشباب هم جذوته وقادته الذين بهم تتغير دفة المجتمعات وتتطور، أفكارهم، حماسهم، والتغيرات العالمية المحيطة بهم والمؤثرة في أنماط تفكيرهم، اندفاعهم لمواكبة الجديد من أجل حياة أسهل ومتعة أكبر، وغير ذلك من خصائص الأجيال المتجددة.. هو ما يصنع التغير وينهض به، لذلك فالوقوف في وجه ما تفرزه نظرة الشباب للحياة، وغرابة أفكارهم بالنسبة لجيل عشناه نحن -كانت أفكارنا فيه مختلفة وغير مقبولة أحيانا من جيل آبائنا وأجدادنا- هو ما يمنح الحياة النضارة والتطور.

ما ينطبق على العالم ينطبق علينا في مجتمعنا السعودي الذي هو جزء من كل، به مع غيره من المجتمعات يتنفس كوكبنا الحياة ليستمر، خاصة أن هذا المجتمع حباه رب العالمين بميزة عظيمة، حيث من علينا بمجتمع جله من شباب يشكلون أغلب تركيبته السكانية، لذلك كان لابد من منحهم مساحة من حرية التعبير عن الرأي والفرح والانطلاق نحو تغير يناسب جيلهم، ضمن أطر واضحة من محظورات عقائدية وقيمية لا يمكن تجاوزها أو المساس بها.


مع الأخذ بالاعتبار أن المحافظة على الدين والأخلاق لن تتم من خلال الوقوف بوجه أفكار الشباب التي شئنا أم أبينا تأثرت بعولمة منصات التواصل، ولا من خلال مقاومة تأثر عقولهم بها، بنبذ جلها دون أن نتفهم انبهار وشغف المرحلة العمرية بها، والذي سيكون من الأجدى لو تقبلناها مع تشكيلها بقوالب تناسب خصوصية مجتمعنا، ولا من خلال فرض الوصاية المفرطة على مراهقين وشباب، لذا أصبح علينا كأولياء أمور، أن ندرك أن أسلوب الشدة مع توقع السمع والطاعة للآباء والأمهات دون حوار مقنع نسد به فجوة اختلاف فكر وثقافة الأجيال، أصبح أسلوب تربية عقيم، يزيد حفرة التمرد أكثر مما يردمها.

قيادة وطني العظيم أدركت أهمية الطاقات الشبابية الهائلة في تحقيق نماء مستدام لهذا الوطن الغالي، لذلك راهن سمو ولي العهد محمد بن سلمان على الشباب، ولأنه قائد ينتمي إلى فئة العطاء اللامحدود، فهو يعرف متطلباتهم وحاجاتهم النفسية حق المعرفة، ويدرك إداركا كاملا كيفية توجيه دفة المخزون الثري للعقول الشبابية السعودية نحو النهوض بالوطن وتحقيق أهدافه وتحقيق رؤيته، فكان الترفيه بكل ما صاحبه من انفتاح مؤطر بحزم، متنفس لشبابنا، حيث يأتي بما كانوا يهربون إليه خارج الحدود، إما بالسفر الحقيقي أو السفر الإلكتروني عبر منصات التواصل وبرامجه، مع التأثر الكامل بكل ما يشاهد مما ينعكس سلبا على أفكار شبابنا، ولكنه بفضل الله ثم بحكمة قائدنا الشاب أصبح الترفيه لدينا واقعا ملموس أبوابه مشرعة على مصرعيها مع عصا أمنية غليظة لمن يتجاوز حواجز المقبول شرعا وعرفا وذوقا.

ما يزعج في الأمر أن الفكر المعارض لأي انفتاح وكل جديد، وعقول تشربت فكرة المجتمع الفاضل الذي يستكثر على الشباب الفرح، ويستنكره خوفا من الوقوع في المحظور ما زال يشوه كل فعالية ترفيه يفرح بها الشباب من خلال تضخيم التجاوزات الفردية التي لم نر أيا منها فلت من قبضة القانون، يطمسون الوهج من خلال هاشتاجات ومقاطع تملأ منصات التواصل لا تنقل الصورة الأشمل والأدق والأجمل لفعاليات الترفيه وتفاعل الناس معها.

رغم أن هذه الفعاليات لو نظرنا لها من زاوية أكبر وأعمق، لأدركنا أنها مجهر اجتماعي كبير جدا، يجعلنا نرى مشكلات شبابنا بشكل أوضح لنعالجها كما يجب، هي مواسم ترفيهية تمنحنا الفرصة لنهدم حواجز الفكر بين الأجيال من خلال مرونة نتقبل من خلالها ما يستهويهم وما يحبون، لتكون العلاقة بيننا وبينهم علاقة حب وصداقة مع هيبة تمكننا من تمرير ضوابط نؤمن بها كجيل سابق بشكل أكثر سلاسة تجعلها أساس يشكل تركيبتهم الأخلاقية بانضباط يمارسونه بنا أو بدوننا حبا وقناعة لا خوفا ورهبة، وبدأ من حفل الفرقة الكورية ووصولا إلى المدل بيست يجب أن نتعرف كأهل وكمؤسسات تربوية على أولادنا أكثر، ونمسح بيد مرونتنا معهم على جرح غربة فكر قد تسبب لهم هجرة عقول وهوية ومعتقدات بسبب تغير لا نملك مهما حاولنا أن نقف بوجهه.

للأسف البعض لا يفهم حتمية وأهمية ما يحدث، فيظل أسيرا لصوت واحد يحاول أن يزيف الصورة، ويقدم المشهد بسواد لا يليق، وكأننا في عبث ما بعده وانحراف ما مثله، وليت مثل من يروج لهذا السيء فقط، وينسى تصوير السعادة والفرح والحياة الحلوة، وخير مثل على الفرح المصاحب للترفه حديث «أم نايف»، تلك السيدة الكبيرة في السن، والتي جاءت لموسم الرياض لتبحث عن سعادة افتقدتها طوال عقود، كلمتها لا تزال في رأسي: «ابجلس لين يطيح اللي براسي».. تأمل حديثها يوحي لكل منصف أننا مجتمع يحب الحياة ولا يريد شيئا يمنعه عنها..

الحمد لله.. ما يسعدنا أننا لم ننجح في الترفيه فقط، بل أوجدنا فعاليات التقنية، وجددنا من ممارسات التطوع والبذل، وأتحنا الفرصة لإقامة مهرجانات فكرية وفلسفية وبحثية ورياضية وسينمائية، باختصار أصبحنا نشاهد كل الحياة في مدننا، وأصبحنا بحق مملكة الإنسانية والحياة، والانفتاح المقنن بحزم لا يجعل أي أحد قادرا على كسر حواجز قيم نحن خير من نؤمن بها قيادة وشعبا، وعليها يقوم دستورنا ومنهجنا.