ما أن أطلق مشروع «وسط جدة» إلا وبدأت بعده تنهال الإشاعات وتدار الرؤوس بالتشكيكات، فهذا يقول وذاك يضيف، والآخر يتعاطف.

أحدهم يقول: سوف تهدم أفضل جامعة، والآخر يقول: سوف يزال أهم مستشفى من أجل إقامة مقرات لاحاجة لنا بها، ويقول المتعاطفون: لماذا تدعم قطاعات على حساب ذلك المستشفى الأشهر في علاج العقم والخصوبة؟! حتى شحنت عواطف كل من في المجلس، وما عدنا نسمع بعدها إلا «آمين».. «آمين» بعد كل جملة يرويها لهم ذلك المشكك المروج للإشاعات والكاره للإنجازات.

وللأسف، فإن كثيراً من المتعاطفين مع هذا النموذج، هم من فئة الناس البسطاء، التي عطلت الاعتقاد لمرحلة التصديق الجازم، فأصبحت تصدق كل ما يقال على لسان أولئك الذين يدعون علم المصادر فيضلون به أبسط الناس ثم يحولونهم بعد ذلك لسد منيع مقاوم لأي تطور وأي تنمية.

وحتى نكون أكثر إنصافا لهذه الفئة الأكثر تعاطفا، والأسرع تأثرا، والأسهل استدراجا، يستحسن أن ندرك أنهم فئة نقية تشوب بما يدنسها وتصفى لمن يطهرها، مشكلتها الوحيدة هي عدم وجود وعي يستهدف درجة تفكيرها، فالخطاب الإعلامي بالعادة تصاغ فيه عبارات رصينة جدًا، أو يأتي بضيوف نخبويين يتحدثون وفق فلسفة لا تصل لمستوى إدراكهم، هذه الفئة لن ينمو وعيها بالقراءة إذا كانت لا تكتب، ولن يشدها عنوان كتاب إذا كانت لا تقرأ، الطريقة الوحيدة التي تمدها بالوعي والمعرفة هي الاستماع والمشاهدة فإذا لم يستهدفها الإعلام والتعلم، استغلتها جهات أخرى، هذه الجهات هي أيضا استغلت ضعف الدور الإعلامي في متابعة أي إنجاز وطني، ولعل إنشاء قنوات تلفزيونية متخصصة في متابعة برامج الترفيه والفعاليات والمواسم والمهرجانات بشكل عام، وقناة أخرى تعمل على تغطية المشاريع الوطنية ومراحل تطبيق الرؤية، تعتبر حلا مثاليا لتكوين مادة إعلامية توثق الحدث وتكافح انتشار الشائعات المشككة والمغرضة، والهاشتاقات المجيشة، وفي الوقت نفسه تغذي وعي أبسط البسطاء من المواطنين، بدلا من تركهم للمتمصدرين المؤدلِجين.

لم يكن مشروع «وسط جدة» هو الوحيد الذي ناله هذا الكم من التأويلات والإشاعات، فقبله كان «القديهة» بالرياض، و«نيوم» في منطقة الشمال، ومشروع «السودة» في عسير، وما نفذ وما قرر له أن ينفذ كان مادة مستهدفة للشحن والتحريض.

ضعف التغطية الإعلامية جعل الفئة الباحثة عن إنجازات الوطن والمتعطشة لرؤيتها تتجه إلى رواد برامج التواصل الاجتماعي والذين بدورهم الريادي أيضا نقلوا للمتابع ما لم تنقله وكالات الأنباء بجهد فردي وعمل احترافي.

هذه المشاريع الضخمة والإنجازات العظيمة في أنحاء الوطن كافة، يفترض أن تغطى بشكل متتابع على مدار اليوم ليس فقط من أجل تكذيب الشائعات، بل أيضًا لأجل زرع حب الوطن وتحقيق الاستقرار الذي يقود إلى الازدهار والابتكار، ولكي يدافع المواطن عن وطنه بناء على خلفية واضحة للعيان غير قابلة للتشكيك، كما أوصى الملك سلمان- حفظه الله- في خطابه الذي ألقاه الأسبوع الماضي في مجلس الشورى «أن المواطن هو خط الدفاع الأول عن وطنه».

الخلاصة:

إن المادة الإعلامية قوى ناعمة تتسلل لمخاطبة وعي أنواع العقول كافة، وتستخدم أيضًا للتلاعب وتغييب العقول.