بكثير من الأمل والتفاؤل، يترقب المجتمع السعودي نقل 44 شركة عالمية مقراتها الإقليمية للرياض، بعد أن استلمت التراخيص اللازمة، في خطوة هامة تمهد الطريق لدخول المئات من كبريات الشركات، العاملة في مجالات المال والتقنية والصناعة والتجارة، و جوانب الاقتصاد كافة، والتي تسعى المملكة إلى استقطاب وجودها على أراضيها، لما سيترتب على ذلك من مكاسب أكبر من الحصر، سوف تنعكس إيجابا على بلادنا بإذن الله.

بدءا فإن احتضان الرياض للمقرات الإقليمية لهذه الشركات في منطقة الشرق الأوسط، هو الوضع الطبيعي الذي كان ينبغي أن يحدث منذ فترة طويلة، لأن معظمها أتى في الأساس إلى المنطقة لتنفيذ عقود ضخمة معظمها داخل السعودية وبمبالغ كبيرة، وتحقق أرباحا طائلة، لذلك كان غريبا وغير مقبول أن تبقى مكاتبها في دول أخرى ربما خارج المنطقة بكاملها.

ومنذ إقرار رؤية المملكة 2030، تم اتخاذ القرار بمعالجة هذا الخلل، وتدرجت الجهات المسؤولة في تحقيق ذلك، فتواصلت مع معظم تلك الشركات، في السابق ربما كانت هناك أسباب منطقية تحول دون استكمال عملية الانتقال، مثل صعوبة إجراءات الحصول على تأشيرات الدخول، لكن بعد أن تم تذليل تلك الصعوبات، وتهيئة البنية التشريعية واستكمال كل المتطلبات اللوجستية، رفعت المملكة نبرة مطالباتها، وحذرت بأنها ستلجأ إلى فسخ التعاقد مع أي شركة تمتنع عن القدوم للرياض، وهو ما أخذته تلك الشركات على محمل الجد وسارعت إلى تلبية الطلب العادل.

ربما يتساءل البعض عن الفوائد التي سوف تجنيها المملكة من وراء ذلك، وهي أكبر من أن تعد وتحصى، ولكن باختصار يمكن القول إن من أبرزها إيجاد بنية صناعية متطورة، وتوطين التقنية، وتهيئة الأجواء أمام رفع قدرات الكوادر الوطنية الشابة، وزيادة مهاراتها عبر إتاحة فرصة الاحتكاك المباشر مع القيادات الإدارية والفنية المتميزة، التي تقود تلك الشركات، وهذا الهدف في حد ذاته هو أبرز أهداف رؤية المملكة 2030 على الإطلاق، كل ذلك إضافة إلى ما سيحدثه انتقال تلك الشركات من حراك اقتصادي ضخم ونشاط تجاري غير مسبوق.

أكبر التساؤلات المهمة التي ينبغي أن نواجه بها أنفسنا، هي هل نحن جاهزون لاستقبال تلك الشركات؟ وهل انتهينا من تهيئة بيئة إدارية وفنية وإجرائية موائمة ومشجعة لبقية الشركات الأخرى، كي تتخذ نفس الخطوة؟ بمعنى هل استوعبت الإدارات الحكومية الهدف من توجه القيادة، نحو تبسيط الإجراءات الإدارية، والتخلي عن الروتين والبيروقراطية؟

ومن باب الإنصاف أقول إن الدولة قامت من جانبها بتوفير كثير من الاشتراطات الضرورية، لتحقيق هذه البيئة الاقتصادية المتميزة، واستقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، باستكمال المنظومة التشريعية التي تحفظ حقوق كافة الأطراف، وتعزيز مناخ الشفافية والمحاسبة عبر الحرب على الفساد، وآخر خطوة تمت في هذا المجال، هي موافقة مجلس الشورى على نظام الإثبات والتي تمت خلال الأيام الماضية.

على القطاع الخاص أن يبادر إلى القيام بما يليه في هذا الجانب، خصوصا وأنه المستفيد الأكبر من عملية انتقال تلك الشركات، عطفا على الفرص الضخمة التي ستتاح، وتسهيل عملية توقيع العقود وإبرام الاتفاقيات والاستثمار في مجال الخدمات اللوجستية، التي تترتب على وجود هذه القيادات المتميزة في بلادنا.

على سبيل المثال، هل فكر رجال القطاع الخاص في إنشاء مدارس عالمية توفر بيئة تعليمية متطورة، وتتعامل مع مناهج متقدمة لاستيعاب أبناء تلك القيادات، فهؤلاء قطعا لن ينخرطوا في مدارس التعليم العام أو المدارس الأهلية الموجودة حاليا، لأنها لا تستوفي المعايير الأكاديمية التي ينشدونها، بغض النظر عن جودتها أو عدمها.

سمعنا بمنح تصاديق لافتتاح مدارس دولية مثل «كنجز كولدج» و «إس إي كاي» وهما مدرستان عالميتان بمواصفات خاصة، لكنهما لن تكفيا لاستيعاب جميع الطلاب الذين سيأتون مع آبائهم للاستقرار في المملكة، لذلك فإن هناك حاجة ماسة للمسارعة بإنشاء مدارس إضافية.

هناك جانب آخر في غاية الأهمية، وهو أن الكفاءات التي ستقود تلك الشركات العالمية، يمكن الاستفادة منها في الجامعات لتقدم عصارة تجاربها وعلومها لأبنائنا الطلاب، كما يمكن الاستفادة منها في مجال التدريب، عبر التعاقد معها لتنظيم برامج تدريبية متطورة، سواء عبر الكيانات الحكومية أو القطاع الخاص.

إجمالا يمكن القول إن هناك فرصا واسعة وضخمة ولا حصر لها، ستكون في متناول رجال الأعمال خلال الفترة المقبلة، سيحصد نتائجها من يمتلك القدرة على التفكير بطريقة مختلفة، وله مهارة الرؤية أبعد من مواطئ الأقدام، أما أصحاب العقليات الجامدة والنظرة القاصرة، الذين تسيطر عليهم الهواجس ويتمسكون بالاستثمار التقليدي، فسوف يفوتهم القطار حتما، ويظلون على رصيف المشاهدين.