إننا لا نطلب السلام لنسقط في غيبوبة الراحة والاطمئنان ونعيش «حقبة جميلة La Belle Epoque» بل السلام هو فرصة العمل والإبداع والتنمية وتلبية حاجاتنا الثقافية والمادية. والإعداد لمواجهة أخطار وشرور وصراعات قد نتعرض لها كما يتعرض الجسد السليم لهجوم الميكروبات في كل وقت، ويصيبه المرض إذا فقد قوته وحصانته وقدرته على المقاومة.

وهذا المعنى هو الذي نبه إليه الرئيس الفرنسي الراحل «فرانسوا ميتران» في آخر خطاب ألقاه أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورج وكان يتحدث كما لو كان يقدم لأوروبا وصيته ونصائحه الأخيرة قبل أن يرحل عن العالم. فقال لهم: «الوطنية هي الحرب.. والذين يعتقدون أن الحرب وراءهم قد يجدونها أمامهم» لقد رأى ميتران في أيامه الأخيرة أن الاتحاد الأوروبي بين خمس عشرة دولة لا يعني أن السلام قد اكتمل ولا بد من الحذر والعمل على تجنب خطر الحرب، لأن السلام، ليس راحة البال، وليس الأمان والاستقرار. إنه كما يعرفه البشر محاولة مستمرة للنجاة من الخطر!

والسلام تنظمه اتفاقيات الحرب! مثل اتفاقيات جنيف ولاهاي أعوام 1864/‏ 1906 /‏ 1907 /‏ 1949، وتشمل القواعد الخاصة بمعاملة المتطوعين والأسرى والجرحى في البر والبحر، وشروط استخدام الأسلحة وتحريم بعضها كالنابالم والغازات السامة والألغام المغناطيسية والجراثيم والأسلحة النووية. وكلها اتفاقيات تنظر إلى سلام بعد الحرب. لكن كل هذه الاتفاقيات قد تتحول في لحظات إلى قصاصات ورق لا قيمة لها عندما يفقد المحاربون رؤية سلام يتوقعونه في المستقبل.

ولذلك يتعامل رجال السياسة والقواد العسكريون مع حالة السلام على أنها «مثالية» لا تتحقق في الواقع، والعالم لا تتوقف فيه الحروب أو الثورات.

وأن المطلوب هو توازن القوى والعمل على تحقيقه، لأن طلب السلام هو جري وراء الوهم. ولذلك من الطبيعي أن نسمع عن «السلام المراوغ» مع إسرائيل، وهي لا تعترف بسلام تتوازن فيه القوى، وتتحالف مع الولايات المتحدة لتحتفظ بتفوق في ميزان قوتها العسكرية في مواجهة القوى العربية مجتمعة، لأن هذا هو الذي يضمن لها السلام كجزيرة صغيرة في محيط عربي عريض.

وهناك محاولات لربط السلام بالمواثيق والمعاهدات، ولقد فشلت كل هذه المحاولات فلم يعد يثق بها أحد. وأثبتت تجارب عديدة أن الدولة التي تشعر بأن ميزان القوى في صالحها بالنسبة لجيرانها يستولي عليها إغراء لا تقاومه بأن تستخدم قواها المتفوقة في الهجوم على جيرانها. وهناك محاولات لعقد تحالفات، أو اللجوء إلى محكمة عدل دولية.

وقامت محاولة عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى 1914 - 1918، ثم قيام الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية 1939- 1945.

وكلها محاولات باءت بالفشل في منع الحروب. ويعترف ميثاق الأمم المتحدة بأن خطر الحرب قائم باستمرار. ولذلك جاء نص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة في 24 أكتوبر 1945 لينص على أنه «لا يوجد في هذا الميثاق ما يعوق الحق المعترف به لكل دولة أو مجموعة من الدول في الدفاع ضد هجوم على دولة عضو في الأمم المتحدة، وذلك حتى يتولى مجلس الأمن الإجراءات الضرورية للحفاظ على السلام والأمن الدوليين، والإجراءات التي تقوم بها الدول الأعضاء لممارسة هذا الحق في الدفاع عن النفس، سوف تبلغ فورا إلى مجلس الأمن، ولن تؤثر بأي حال من الأحوال في سلطة ومسؤولية مجلس الأمن، وفقا للميثاق الحالي في اتخاذ التصرف المناسب في أي وقت كما يراه ضروريا من أجل الحفاظ واستعادة السلام والأمن الدوليين.

وبناء على ذلك النص اجتمعت دول حلف شمال الأطلنطي في واشنطن في 4 أبريل 1949، وأقرت ميثاقا للحلف جاء في مقدمته إيمان هذه الدول بمبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة ورغبتها في أن تعيش في سلام مع جميع الشعوب والحكومات.

ثم عقدت المقدمة صلة قوية بين السلام والحرية - الديمقراطية - من وجهة نظر الدول المتحالفة. فأعلنت عن تصميمها على حماية الحرية - الديمقراطية - باعتبارها الثقافة المتوارثة لشعوبها. ثقافة وحرية الفرد وسيادة القانون.

وهذه النصوص التي أشرنا إليها تتعامل مع السلام على أنه ناقص ومعرض دائما للخطر.

وهذه الرؤية الواقعية جاءت بعد مرحلة رومانتيكية توهم فيها المجتمع البشري أنه قادر على الوصول إلى السلام الدائم.

ومن أهم هذه المحاولات تلك التي قامت بين مجموعة من الدول المسيحية الأوروبية في مشروع «سانت بيير» عام 1713 في مؤتمر «أوترخت» الذي ضم أربعا وعشرين دولة مسيحية، لتعقد فيما بينها «تحالفا دينيا» لضمان أمنهم وسلامهم ضد أية حروب يشنها الأعداء، أو ضد فتن وحروب أهلية داخلية.

ثم كانت دعوة الفيلسوف الألماني (كانت) للسلام عام 1795عن طريق مجتمعات يمارس فيها كل فرد إرادته من خلال ممثليه في مجلس تشريعي خاصة عند اتخاذ قرار خاص بحالة الحرب أو السلام.

لكن سرعان ما قضت الثورة الفرنسية على كل مشاريع وأفكار السلام، وخرج من فرنسا نابليون بونابرت يكتسح أوروبا ويقوض أنظمتها، حتى كانت هزيمته في معركة موسكو عام 1812، ثم هزيمته القاضية في «ووترلو» عام 1815.

وشهد مؤتمر لاهاي عام 1899 محاولات قامت بها ست وعشرون دولة أوروبية لوضع وسائل وإجراءات عملية لفض النزاعات فيما بينها بالطرق السلمية.

ثم كانت محاولة ثانية في مؤتمر لاهاي عام 1907، واشترك فيه 44 ممثل دولة لكل الدول المستقلة في العالم في ذلك الوقت، ووضعوا بعض وسائل التسوية السلمية.

مثل الوساطة والتحكيم ولجان تحقيق دولية. وحاولوا صياغة قواعد للقانون الدولي، وكان جيرمي بنتام قد بدأ المحاولة في كتابه «أصول الشرائع»، وكشفت مناقشات هذه المؤتمرات أن المناقشات تجري بين دول لا يثق بعضها في البعض الآخر، وتتحدث عن نزع السلاح دون أن تنفذ ما تتحدث عنه، ومع ذلك تمت صياغة بعض المبادئ للتسوية السلمية.

وإذا تأملنا واقع المجتمعات البشرية اليوم فسوف نجد أن أصلح وأدق وصف للدول التي لا تخوض في الوقت الحالي أي حرب، أنها ليست في حالة سلام، بل في الحالة التي يحددها القانون الدولي بالحياد. وتعريف الحياد في القانون الدولي هو الامتناع اختيارا عن الاشتراك في حرب قائمة.

هناك أنواع متعددة للحياد منها الحياد التقليدي مثل الحياد السويسري الذي يدير ظهره للمشاكل الخارجية ويرفض التورط فيها، وقد مارست سويسرا الحياد التقليدي أخيرا عندما رفضت أن تساهم بقواتها العسكرية في حفظ السلام في البوسنة مع بقية دول حلف الأطلنطي وروسيا.

والسلام بالنسبة لسويسرا هو الحياد أو الابتعاد عن الخطر، وإذا خاطبها المتحاربون قالت سلاما بمعنى أنها تريد النجاة من الأذى.

1996*

* كاتب وروائي مصري " 1924 - 1999"