باتت كثير من المنظومات غير المتميزة تجد نفسها خارج عالم التنافسية الحديثة بكل حدته ومعاييره الصعبة، وهو ما يضع أي منشأة أو منظومة تحت ضغط تحقيق الجودة والتميز حتى تضمن الاستمرارية، وإلا فإن مصيرها سيكون الطرد والوضع خارج الحسابات.

وقد تجاوز مفهوم الجودة ما تعارف عليه البعض من كونه مقتصرًا على فحص وتدقيق المنتج، ليأخذ إطارًا أعم وأشمل يتعلق بإدارة المنظومة الإنتاجية والخدمية، وهي إدارة أطلقت ميدانًا واسعًا جدًا للتنافس تحت عنوان عريض هو التميز المؤسسي، الذي وضعت لأجله معايير قياس دقيقة، نقلته من أن يكون مجرد ترف إداري إلى ضرورة ملحة تمليها حركة الحياة المعاصرة للبقاء والاستدامة والتنافسية.

وقد نشأ مفهوم التميز للتعبير عن الحاجة إلى منهج شامل يجمع عناصر ومقومات بناء المؤسسات على أسس متفوقة توفر لها قدرات عالية، وتحقق الترابط والتناسق والفوائد والمنافع للمجتمع بأسره.

والتميز هنا يقصد به التفرد والتفوق في الأداء، وتقديم الخدمات بكفاءة وفاعلية، بما يلبي ويتجاوز احتياجات وتوقعات المتعاملين ومتلقي الخدمة والجهات المعنية، من خلال منهجيات وآليات عمل مطبقة تضمن التحسين المستمر في جميع جوانب الأداء.

وكانت المؤسسة الأوروبية لإدارة الجودة عرفت التميز بأنه «تحقيق مستويات أداء باهرة ومستدامة بما يلبي أو يتجاوز توقعات جميع المعنيين، وهو حالة من الإبداع الإداري والتفوق التنظيمي، التي تحقق مستويات غير عادية من الأداء والتنفيذ للعمليات الإنتاجية والتسويقية والمالية وغيرها في المنظمة، بما ينتج عنه إنجازات تتفوق على ما يحققه المنافسون، ويرضي العملاء، وجميع أصحاب المصلحة في المنظمة».

التحول الوطني

أوضح مدير إدارة قياس الأداء ومركز التميز في تعليم الشرقية محمد بن عبدالله لـ«الوطن» أن برنامج التحول الوطني سعى لتحقيق التميز في الأداء الحكومي وتأسيس البنية التحتية اللازمة لتحسين عوامل التمكين الاقتصادي، ورفع مستوى المعيشة من خلال أبعاده الإستراتيجية الثمانية، وهي الارتقاء بالرعاية الصحية، وتحسين مستويات المعيشة والسلامة، وضمان استدامة الموارد الحيوية وتعزيز التنمية المجتمعية، وتنمية القطاع غير الربحي، وتحقيق التميز في الأداء الحكومي، وتمكين فئات المجتمع من دخول سوق العمل ورفع جاذبيته، والإسهام في تمكين القطاع الخاص، وتطوير القطاع السياحي والتراث الوطني».

وأضاف أن «التميز المؤسسي يسهم في:

1- ضمان البقاء والاستمرار والنمو (الاستدامة).

2- المحافظة على استقرار المنظمة ومكانتها في عالم شديد التنافس.

3- القدرة على التعامل مع المتغيرات والمفاجآت العالمية المتسارعة.

4- القدرة على المنافسة، وكسب العقود، واقتناص الفرص محليًّا ودوليًّا.

5- مواكبة ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

6- تحقيق ريادة الأعمال بدلا من إدارة الأعمال.

7- تحقيق إبهار العميل بدلًا من إرضاء العميل.

8- مواكبة الرؤى الوطنية والتقدم العالمي.

الجودة الشاملة

أشار محمد عبدالله إلى أن «مفهوم الجودة الشاملة بدأ في الثمانينيات من القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية مع ارتفاع وتيرة التنافس الاقتصادي العالمي وغزو الصناعة اليابانية للأسواق العالمية، حيث تضمن جودة المنتجات والعمليات والتركيز على العمل الجماعي ومشاركة الموردين، والتحسين المستمر».

وتابع أن «التطور التدريجي للجودة والأنظمة الإدارية والممارسات العالمية للوصول للكفاءة والفعالية قاد المنظمات بكل فئاتها نحو العمل المؤسسي وتبني منهجية الجودة وصولا للتميز المؤسسي، وهذا ما يوضح العلاقة بين الجودة والتميز المؤسسي، والتي تعد الجودة هي الطريق وبوابة العبور نحو التميز المؤسسي».

وأكمل «لو تأملنا قليلًا في وضع المنظمات التي تولد ولها آمال وأحلام ولكن في زمن التنافسية والمعيارية العالمية نجدها تموت بكل آمالها ونكباتها، لذلك تنفق الحكومات ورجال الأعمال وفاعلو الخير الأموال الطائلة لدعم المنظمات الحكومية والتجارية والتطوعية، وتأتي النتائج أقل من التوقعات، وعند البحث عن مسببات النجاح أو الإخفاق يجدونها واضحة جلية مع أنها كانت خفية على القيادات التقليدية.

وقد أثبتت الجودة الشاملة والتميز المؤسسي أنهما أحد عوامل الاستدامة والنمو لمختلف المنظمات، وبنمو المنظمات تنمو المجتمعات، ولا مكان في عالم التنافسية الحديثة والتقنية المذهلة والذكاء الاصطناعي والابداع والابتكار إلا للمنظمات المتميزة».

جودة الحياة

أكد مستشار تقنية المعلومات والجودة والتميز المؤسسي المهندس جمال عبدالله الهندي لـ«الوطن» أن إدارة الجودة في الإسلام تمثل جزءًا من النظرة الكلية لجودة الحياة في المجتمع، وتنبثق تلك النظرة من التوجيه القرآني: (من عمل صالحًا من ذكرٍ أو أنثى وهُوَ مؤمنٌ فَلَنُحيِينَّه حياةً طيبةً ولَنجزينَّهم أجرَهُم بأحسنِ ما كانوا يعملون).

وأضاف «يمثّل العمل الصالح الإطار العام لممارسات الجودة في المجتمع، في جميع المجالات الاقتصادية والعلمية والعملية والاجتماعية والتطوعية وغيرها، ليضمن للإنسان في الدنيا حياة طيبة، وفي الآخرة جزاء جزيلًا نتيجة ذلك العمل الصالح.

والجودة هي منهج إسلامي يحث على تنفيذ العمل بأفضل أداء مراعاة لمرضاة الله سبحانه وتعالى، وقد ورد مصطلح الجودة في القرآن الكريم والسنة النبوية بعدة مرادفات منها (الإتقان) كما ورد في قوله سبحانه وتعالى (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌبِمَا تَفْعَلُونَ)، وقوله صلى الله عليه وسلم «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه».

أيضًا وردت بمفهوم (الإحسان) وهي أعلى درجات الجودة كما ورد في قوله سبحانه وتعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا) [الكهف: 30]، وقوله سبحانه (وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، كما وردت في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء..»

وأكمل «العلماء عرفوا الجودة على أنها:

- المطابقة للمتطلبات أو للمواصفات

- تفادي الخسارة التي يسببها المنتج للمجتمع بعد إرساله للمستخدم.

- يجب أن ترضي حاجات العميل الحالية والمستقبلية.

- تلبية توقعات العميل أو ما يتفوق عليها.

- ملاءمة السلعة أو الخدمة لتلبية الاستعمال المقصود منه كما يطلبه العميل.

- القيام بالعمل الصحيح، بالطريقة الصحيحة، ومن أول مرة، وفي كل مرة (صفر) أخطاء.

المعيار العالمي

وضعت المملكة رؤية وطنية للجودة تنص على أن تكون المملكة بمنتجاتها وخدماتها معيارا عالميا للجودة والإتقان في عام 2020، وعملت جميع القطاعات في الدولة على تحقيق هذه الرؤية من خلال تطبيق معايير الجودة في جميع أعمالها، حيث إن تطبيقها يعود بالفائدة على معظم القطاعات الحكومية، وذلك من خلال:

خفض النفقات وتقليل الهدر وترشيد الاستهلاك والفاقد

تحسين بيئة العمل الداخلية.

رفع مستوى العاملين بالمنشأة.

تكوين بيئة عمل تدعم وتحافظ على التطوير المستمر.

تحسين السمعة والصورة الذهنية للمنشأة لدى المجتمع.

تحقيق أهداف المنشاة وخاصة الأهداف بعيدة المدى.

تقليص الروتين والبيروقراطية الإدارية والتحول من العمل العشوائي إلى العمل المنظم.

دعم وتعزيز التحول الرقمي، والعمل بلا ورق

السرعة والدقة في إنجاز المهام المطلوبة.

ارتفاع معدل رضا العملاء /‏ المستفيدين.

الاستدامة المؤسسية للمنشأة.

الريادة والمنافسة مع المنشآت المماثلة.

مراحل الجودة

أشار المهندس جمال إلى أن مراحل الجودة تطورت خلال السنوات الماضية بحيث انتقلت من مرحلة الجودة إلى مرحلة ضبط الجودة، ثم مرحلة تأكيد الجودة، مرورًا بمرحلة إدارة الجودة الشاملة، وانتهاء بمرحلة التميز المؤسسي.

وقال «تُعرّف مرحلة ضبط الجودة بأنها تشمل مجموعة من الإجراءات تضمن سلامة وجودة المنتج أو الخدمة المقدمة من خلال عمليات الفحص والاختبارات ومدى تطابقها مع المواصفات المنصوص عليها»، موضحًا أن «مراقبة أو ضبط الجودة يتعامل مع مواصفات المنتج أو الخدمة وضبط تحقيق هذه المواصفات المطلوبة.

أما مرحلة تأكيد الجودة فتعرّف أيضًا بضمان الجودة وذلك من خلال التحقق من أن كل مدخلات العمل والوسائل المساعدة مضبوطة ووفق المعايير والضوابط مثل أن الأجهزة مُقيّمة وطرق العمل مُقيّمة أو تم إجراء فحص لها، وأن أجهزة القياس والعدادات معايرة، وأن ضمان الجودة يتعامل مع خطوات/ إجراءات إنتاج المنتج من الآلف إلى الياء وفقًا للمعايير».

الجودة الشاملة

بيّن المهندس جمال أن معهد الجودة الفيدرالي الأمريكي عرّف إدارة الجودة الشاملة بأنها «نظام إداري إستراتيجي متكامل يسعى لتحقيق رضا العميل، حيث إن تطبيق هذه الفلسفة الإدارية يحتم مشاركة جميع المسؤولين والموظفين في المنشأة، ويقوم باستخدام الطرق الكمية لتحسين العملية الإدارية بشكل مستمر».

وأضاف «تشمل إدارة الجودة الشاملة الخصائص التالية:

استعمال الحقائق والبيانات الدقيقة والكافية لاتخاذ القرارات.

اشتراك جميع الأفراد في دورات الجودة أو فرق تحسين العمليات.

التحسين المستمر للعملية والمنتج.

التركيز على العمليات والنشاطات بدلًا من النتائج.

تلبية احتياجات العميل وتوقعاته.

استعمال الأساليب الإحصائية الأساسية لقياس الجودة.

تحقيق الريادة

من جانبه، أوضح مستشار الجودة والتميز المؤسسي المهندس خالد أحمد عبدالعزيز لـ«الوطن» أن رؤية المملكة 2030 برهنت على أهمية الجودة والتميز لتحقيق الريادة بمختلف مجالاتها العالمية، حيث تعبر عن مدى الطموح بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان لتحقيق الارتقاء في مختلف الجوانب والأصعدة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

وقال «كانت كلمة خادم الحرمين التي قال فيها ـ هدفي أن تكون المملكة العربية السعودية بمنتجاتها وخدماتها معيارًا عالميًا للجودة والإتقان دافعًا قويًّا لجميع المؤسسات الحكومية والخاصة والخيرية، لا سيما في ظل التطورات التي تشهدها المملكة على جميع الأصعدة والنجاحات الكبيرة التي حققتها على المستويين الإقليمي والدولي.

ويأتي برنامج جودة الحياة كأحد برامج رؤية المملكة 2030 الذي أُطلق عام 2018 لتحسين جودة حياة المواطنين والمقيمين وزوار المملكة، من خلال بناء وتطوير البيئة اللازمة لاستحداث خيارات أكثر حيوية تعزز من أنماط الحياة الإيجابية، وتزيد تفاعل المواطنين والمقيمين مع المجتمع.

وتمكن البرنامج من فتح آفاق جديدة لقطاعات جودة الحياة والتي تمس المواطنين بشكل مباشر، مثل الرياضة والثقافة والتراث والفنون والترفيه ونحوها إذ عمل البرنامج على تنويع الفرص الترفيهية، مثل إعادة إطلاق قطاع السينما، وتنظيم الفعاليات الترفيهية والرياضية والثقافية المحلية والعالمية، مثل استضافة رالي دكار الدولي، وافتتاح عدد من المتاحف والمعارض الثقافية والمهرجانات الموسيقية. كما استثمر البرنامج في تطوير الكوادر البشرية في قطاعات جودة الحياة المختلفة، وأطلق عددًا من الأكاديميات والمعاهد والبرامج التي ُتعنى بتطوير المواهب مثل برنامج تطوير صناع الأفلام، وأكاديمية مهد الرياضية، وتقديم المنح الدراسية للطلاب والطالبات للدراسة في المعاهد العالمية لدراسة فنون الطهي.

كما اهتم البرنامج بتطوير القطاع السياحي في المملكة، وأسهم بتعزيز مكانتها كوجهة سياحية عالمية، إذ حقق إنجازات ملموسة على هذا الصعيد، منها إطلاق التأشيرة السياحية، وزيادة المواقع التراثية المدرجة في قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وتوطين المهن القيادية في قطاع الإيواء. كما نجح البرنامج في تفعيل وتمكين دور القطاع الخاص من خلال أتمته عملية التراخيص لتسهيل أعمال المستثمرين ودعمهم من خلال إنشاء صناديق تنموية مثل صندوق نمو الثقافي، وبرنامج كفالة لتمويل المشاريع السياحية».

جوائز للجودة والتميز المؤسسي

جائزة الملك عبدالعزيز

جائزة الملك خالد

جائزة مكة المكرمة للتميز

جائزة التميز في العمل الخيري

جائزة وزارة التعليم للتميز التعليمي

أهداف الدولة من جوائز التميز

رفع مستوى الأداء والجودة للخدمات والمنتجات المحلية

تقليص الفجوة الحالية للأداء مع المستويات العالمية

تكريم أفضل المنظمات المتميزة وتبادل أفضل الممارسات

تحقيق الرؤية الوطنية للجودة والإتقان

مراحل الجودة

مرحلة الجودة

مرحلة ضبط الجودة

مرحلة تأكيد الجودة

مرحلة إدارة الجودة الشاملة

مرحلة التميز المؤسسي

برامج لتحقيق جودة الحياة

تنويع الفرص الترفيهية

إعادة إطلاق قطاع السينما

تنظيم الفعاليات الترفيهية والرياضية والثقافية المحلية والعالمية

استضافة رالي دكار الدولي

افتتاح عدد من المتاحف والمعارض الثقافية والمهرجانات الموسيقية

تطويرالكوادر البشرية في قطاعات جودة الحياة المختلفة

تطوير القطاع السياحي

إطلاق التأشيرة السياحية

زيادة المواقع التراثية المدرجة في قائمة اليونسكو للتراث العالمي

توطين المهن القيادية في قطاع الإيواء

أتمتة عملية التراخيص لتسهيل أعمال المستثمرين ودعمهم

أكاديميات ومعاهد وبرامج أطلقها برنامج الجودة

برنامج تطوير صناع الأفلام

أكاديمية مهد الرياضية

تقديم المنح الدراسية للطلاب والطالبات للدراسة في المعاهد العالمية لدراسة فنون الطهي