يلجأ الظلاميون في حربهم على المجتمع إلى نزع التيار الذي يمد المجتمع بالنور وإبقائه في عتمة يتسيدونها، لا يهم إن كان الجميع يتخبط في بعضه، الأهم هو زجهم في كهف واحد يُخشى فيه رؤية النور، حتى إذا تسلل شعاعه بين الصخور، اغمضوا أعينهم خوفًا وريبةً، لا من النور إنما انسياقًا وخضوعًا لمن زجهم في هذه الكهوف، وصادر حريتهم في التفكير، ثم اتخذهم جنود صف في معركته الظلامية، وجعلهم يعتقدون بوجود صراع بين العلم والدين، وليس صراعا بين العلم والماضوية، والتسابق البشري في إعمار الأرض وإنشاء الحضارات، وأن ما يطبخ ويعد في هذه الكهوف هو معامل الهدم الأول لأي حضارة، وإفناء للبشرية مهما كان عددها. إن جميع الحضارات التي مرت على الكرة الأرضية بنت مجدها على العلم والمعرفة وبها تطورت وتقدمت وأرخها التاريخ منذ نزول آدم، عليه السلام.

وأول السبل لإعمار هذه الأرض، هو الخروج من كهوف الظلام والتحرر من عبودية أوصيائه، والالتجاء مباشرة إلى الوصية الأساسية من خالق الكون في وجوب إعمار الأرض وعدم تدميرها وتخريبها بالفساد، بخاصة الفساد (الأخلاقي)، وبالخلاص من أدوات التدمير التي نجح الظلاميون في ضمها إلى كهوفهم، وحالت غدرة الظلام من دون رؤيتها، حتى باتت هواءهم ومتنفسهم.

قال تعالى في سورة النور: «ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نور فماله من نور»، في الآية وصف الله الإنسان الذي يسكن الظلام بعدم استطاعته رؤية أقرب شيء له، وهي اليد التي يستطيع الإنسان بإرادته التحكم في قربها وبعدها عن النظر، ومع ذلك لن يستطيع رؤيتها بسبب الظلام الذي استسلم له بإرادته، فيتخبط لأجل ذلك خوفًا، وبدلًا من أن يلجأ إلى (النور)، انقاد مستعصما بالوصي الذي منع عنه النور وقاده للهلاك كما قاد غيره إلى مواقع القتال، وهذه أولى الصفات التي يتميز بها (إنسان الظلام).

بعد التخلص من أدوات التدمير التي يساهم الظلاميون في تعزيزها بالمجتمعات، والتي تحول ضد بناء مجتمع حضاري، كنشر الفساد المالي والأخلاقي وإسقاط القيم الحاكمة للأمن والعدل والتعليم، وتسطيحها إلى قيم حاكمة للعادات والتقاليد، بعدها ينبثق النور فيرى الإنسان نفسه أولًا كما لم يرها سابقا ويحدث التغيير الحضاري المسؤول عن إعمار الأرض، ويستعيد برؤيته للنور الأخلاق التي دنستها منافع أصحاب الكهوف بخفافيشها التي اعتاشت سنين على دمائهم.

في صراع النور مع الظلام يجب أن تكون الغاية هي إنقاذ الإنسان من الظلام بكل أدواته المفسدة لتبدأ مرحلة إعمار الأرض.