والعالم برُمته في الاساس يعيش على دوي طبول الحرب التي يدور رحاها بين روسيا وأوكرانيا، ومشاهد الاستفزاز العسكرية استدعت واشنطن للزج بعدد من قواتها في أطراف أوروبا ترقبًا وتحسبًا لهجوم الدب الروسي.
إذن يتضح أن المشهد العالمي مشحونٌ بقدرٍ كبير من «العسكرة»، إن جاز التعبير، وخطابات الشد والجذب والتهديد والوعيد، ما جعل بعض الملفات الحساسة والمهمة لمنطقتنا أمرا ثانويّا للدول المؤثرة في صناعة القرار العالمي.
لهذا أتصور وجب النظر في المصالح الضيقة للمنطقة بعيدًا عن أي عناوين عريضة وكبرى يتأثر بها العالم البعيد. وأعني في هذا القول، عودة إيران خلال أيام للحوار من جديد مع دول 5+1، وهي مستعدة لجني أرباح الجولات الماضية من الحوار، الذي أرى على الصعيد الشخصي أنه مأسوفٌ عليه، كونه خطأ إستراتيجي وقعت في شراكه كثير من الدول ذات الثقل السياسي العالمي.
والسؤال مشروعٌ هنا حول تفسير كيفية أن يكون ذلك خطأً استراتيجيًا ستدفع ثمنه على المدى المتوسط والقريب دول المنطقة وليس الدول التي تسعى للحصول على الهدنة مع النظام الإيراني.
والجواب، أن الجلوس على طاولة الحوار مع نظامٍ فاشيٍ ديني يعتمد زعزعة محيطة وهذا مثبت، عارٌ على الدول التي قبلت بمبدأ الحوار في أساسه.
ومن ثم، وهذا أدهى وأمرّ، فالتفكير في التخاطب مع «شبه دولة»، تستمر وتواصل ممارسة عربدتها في المنطقة، وجلوس وفدها الدبلوماسي والسياسي مع دول تتوسل الحصول على أدنى صور التفاوض، له وصفان كلاهما مُرّ في السياسة، إما انهزام، وإما تراخٍ، وناهيك عن احتمال فهمه من الطرف المقابل الموصوف بالتطرف في القول والعمل، على أنه قبول ورضى على الممارسات الإرهابية التي تقوم بها ولاية الفقيه بحق دول المنطقة، وتشهد – أي تلك الممارسات – توسعًا في رقعتها، حين تحوّلت عواصم خليجية كالرياض وأبو ظبي معروفة في الاعتدال العالمي، إلى هدف للاستراتيجية الإيرانية التخريبية.
والسكوت الغربي عن التصرفات الإيرانية التي تستهدف منطقة الخليج على وجه الخصوص، قد يفتح أبواب موصده مع عواصم القرار الغربي خصوصاً واشنطن، من ناحية رفع سقف المطالبات، الذي ربما يتجاوز المطالبة بإطلاق سراح أسرى إيرانيين يقبعون في السجون الأمريكية، ليصل إلى الحصول على أموال تفترض موافقة الولايات المتحدة الأمريكية للحصول عليها، وذلك في إطار ابتزاز ادارة بايدن في ملف 4 مواطنين من الجنسية الأمريكية في السجون الإيرانية.
وأتصور أن التغاضي الأمريكي والغربي عن الأنشطة الإيرانية في المنطقة، هي التي دفعت وزير الخارجية الإيرانية، لمطالبة واشنطن بأن تتخذ قرارات من شأنها خلق توازن في التعهدات، مع ضرورة إبداء حسن النوايا!؛ بينما لا تخجل الإدارة الأمريكية الحالية من رمي كل المعضلات تجاه الإدارة السابقة، في شكلِ من أشكال التملص من المسؤولية الأخلاقية، التي تفترضها مكانة وثقل وقوة الولايات المتحدة الأمريكية.
والخشية في حقيقة الأمر تكمن في شراء الوقت من قبل الطرف الإيراني. كيف؟. عبر المماطلة وإطالة أمد التفاوض معها لتصل في نهاية الأمر لوضع العالم بأسره أمام الأمر الواقع، بعد أن تتمكن من تفعيل المواد الانشطارية التي يتطلبها صنع السلاح النووي، خلال عام واحد لا أكثر.
وشراء الوقت الذي أقصده هنا بالمعنى السياسي تفسيره «اختراق» بشكله الظاهر، لكن معناه الباطن فضيحة كبرى تتحمل مسؤوليتها الدول التي قبلت الجلوس على طاولة المفاوضات مقابل دولة تتفاوض من ناحية، وتواصل عربدتها وإرهابها من ناحيةٍ أخرى، على حساب الأمن الوطني والقومي لدول منطقتنا.
ما أردت الوصول إليه من خلال ما سبق، هو أن واشنطن والدول الغربية التي ارتضت بالحوار مع نظامٍ إرهابي لتحقيق هدف الجلوس أمامه، والعمل على التسويق لذلك على أنه إنجازٌ وانتصار سياسي، لا يُمكن لها أن تحصل على أي فائدة دون النظر بالسلوك المتطرف الذي تمارسه طهران في المنطقة ودفعها للكف عن ذلك، لتحقيق الهدوء والاستقرار في منطقة تعتبر الممول الأول والأكبر للعالم بالطاقة، وهذا ليس تسولا، إنما يفترض يكون تطلُعا كبيرًا بالضرورة أن تُمليه ركائز تحقيق العدالة التي يتشدق بها الغرب لمجتمعاتهم.
إن الدمار الشامل الذي تعمل عليه طهران في المنطقة هو ما يجب النظر إليه والسعي للحد منه، وليس اقتصار الرؤية على أسلحة الدمار التي تعتمد عليها الأيديولوجية المتطرفة، فالركض وراء النظام الإيراني في أي ملفٍ كان سواء نوويا أو غيره، لا يُمكن أن يتم على حساب أمن المنطقة، التي تعني للغرب حليفًا استراتيجيًا بعيد المدى، وإلا سيكون ذلك ترجمةً لطعنة من الخلف، في ظهر دول أسهمت باستقرار العالم أجمع، وعلى رأسه الولايات المتحدة والدول الأخرى التي جلست مقابل غول الإرهاب بالمنطقة.
ما يمكن استخلاصه أخيرا؛ هو ضرورة تنحية طبق «الفستق الإيراني» من الطاولة، واستبداله بالسلاح، فهذه اللغة التي يفهمها الولي الفقيه. على الأقل؛ حتى لا تحترق الغابة.. بالتركيز على شجرة.